وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الحلال بيّن والحرام بيّن ، وبينهما متشابهات . فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه ، ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه" (1) فطلب من المؤمنين أن يتقوا الشبهات ليستبرئوا لدينهم ، وأن يقفوا عند حدود الحلال البين ، ويبتعدوا عما سوى ذلك . وهو تكليف لجميع المسلمين في جميع العصور . أما الذين قالوا:"كنا نترك تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام"فهذا تطوع نبيل لم يفرضه الله ، وهو الذي تفرد به ذلك الجيل ...
وهكذا نفرق تفريقا حاسما بين أمرين يختلطان أحيانا في أذهان بعض الناس . بين ما قام به ذلك الجيل الفريد تكليفا من عند الله ، لا يختص بهم وحدهم ، إنما هو للأجيال كافة ، يأثمون إذا تركوه ، وبين ما تطوعوا به من الالتزام بالمندوبات كأنها فروض ، منطلقين في ذلك من عمق إيمانهم ورسوخه ، وحساسية ضمائرهم المرهفة تجاه ما كلفهم به الله ..
فلننظر الآن في التكاليف التي قاموا بها لأنها تكاليف ، لا المندوبات التي التزموا بها وفرضوها على أنفسهم كأنها فروض ..
هل الالتزام بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - والرجوع إلى الله ورسوله في كل أمر من الأمور ، كان تطوعا من الجيل الأول لم يكلفوا به ؟
هل صدق الجهاد في سبيل الله كان تطوعا لم يكلفوا به ؟
هل تحقيق معنى الأمة في صورته الحقيقية ، بما يشتمل عليه من التكافل بين فئات المجتمع ، والأخوة الصادقة بين المؤمنين ، والتعاون على البر والتقوى ، وحرمة الأموال والدماء والأعراض وصيانتها .. هل كان هذا كله تطوعا لم يكلفوا به ؟
هل كان تحقيق العدل الرباني في واقع الأرض تطوعا لم يكلفوا به ؟
هل كان التخلق بأخلاقيات لا إله إلا الله تطوعا لم يكلفوا به ؟
(1) متفق عليه .