الصفحة 45 من 272

وهل كان يتصور - لو أن المطلوب كله هو التصديق والإقرار ، أو لو أن المسلمين فهموا أن المطلوب كله هو التصديق والإقرار - أن تُثَبَّت دعائم الدولة في المدينة ، واليهود يكيدون لها من داخلها ، ومشركو قريش يكيدون لها من خارجها ، فضلا عن أن تثبّت دعائمها في الجزيرة بأكملها ، فضلا عن أن تزال إحدى دولتي الشرك العظميين عن آخرها ( فارس ) وتزلزل الدولة الأخرى ( الروم ) عن عرشها وسلطانها ويتقلص ظلها في الأرض .. وفضلا عن أن تكون هذه الدولة - فيما بعد - هي مركز الدنيا ومحورها ، فيها العلم ، وفيها الحضارة ، ولها القوة والتمكين في الأرض ؟!

من هذا المنطلق الذي أسلفنا الحديث عنه ننتقل إلى المنطلق الثاني ، وقد اقتربنا منه ، فنسأل: هل كان ما يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام في تطبيق مقتضيات لا إله إلا الله ، تطوعا من عند أنفسهم ، غير واجب عليهم ؟

وهنا نقطة قد تختلط على الأذهان ، فيما بين التطوع والتكليف بالنسبة لجيل الصحابة - رضوان الله عليهم -

وقد بينت في كتاب"واقعنا المعاصر"أن الذي تفرد به الجيل الفريد لم يكن هو قيامه بالتكاليف الربانية ، فذلك أمر مفروض على كل الأجيال ، ومطلوب من كل الأجيال ، إنما تفرد ذلك الجيل بالدرجة العالية العجيبة التي نفذ بها تلك التكاليف .

فقد فرض الله القتال ، أما ذلك الذي خرج من بيته يريد القتال ومعه تمرات يقتات بها فاستبطأ الطريق إلى الجنة ، فقال: لئن بقيت حتى أنتهي من هذه إنه لأمر يطول ! فألقى التمرات من يده وألقى بنفسه في المعركة فاستشهد .. فهذه درجة فذة في تنفيذ التكليف الرباني ، تفرد بها وبأمثالها ذلك الجيل الفريد . أما القتال في ذاته ، استجابة للتكليف الرباني ، فأمر مطلوب من الأجيال كافة ، لم يتفرد به ذلك الجيل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت