فإذا كان هذا الأمر شاملا للرسالات كلها حتى رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - فإن الرسالة الأخيرة - الخاتمة - التي أرسل إليها الرسول الخاتم - عليه الصلاة والسلام - لها شأن آخر غير بقية الرسالات ، وتكاليف إضافية غير بقية الرسالات .
لقد كان في قدر الله ومشيئته ألا يرسل رسولا بعد محمد - صلى الله عليه وسلم -:
( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) (1) .
"ألا إنه ليس بعدي نبي" (2) .
وكان في قدر الله ومشيئته أن يتم الدين بهذه الرسالة الخاتمة ، وأن تكون للبشرية كافة:
( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا ) (3) .
( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) (4) .
( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) (5) .
".. وبعثت إلى الأمم كافة" (6) .
وقد اقتضى ذلك جميعه أن تكلف الأمة الخاتمة ذاتُ الرسالةِ الخاتمة تكليفين اثنين لا تكليفا واحدا كبقية الأمم المؤمنة من قبل .
فإذا كانت الأمم المؤمنة السابقة كلها قد كلفت أن تعبد الله"مخلصين له الدين حنفاء"، وتستقيم على الدين وتكاليفه في حدود ذاتها فحسب ، فإن الأمة المسلمة قد كلفت هذا التكليف ذاته ، ثم كلفت فوق ذلك أن تنشر هذا الدين في كل بقاع الأرض ، خلفاء عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وامتدادا له ، وأن تجاهد حتى يكون الدين كله لله .
( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) (7) .
(1) سورة الأحزاب [ 4 ] .
(2) أخرجه الشيخان .
(3) سورة المائدة [ 3 ] .
(4) سورة سبأ [ 28 ] .
(5) سورة الأعراف [ 158 ] .
(6) أخرجه الشيخان .
(7) سورة آل عمران [ 104 ] .