والآية الأخرى تبين ذلك الهدف وتحدده ، وهو إقامة حياة الناس بالقسط . وهي عبارة موجزة شاملة جامعة تفصلها آيات القرآن الأخرى ( والسنة المطهرة كذلك ) تفصيلا دقيقا محددا غير متروك لأهواء البشر . ذلك أن تحديد القسط لو ترك لأهواء الناس لفسد كل شيء:
( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ) (1) .
ومقتضى الآية المشار إليها آنفا إن إرسال الرسل وإنزال الكتاب ليس لمجرد التبليغ والإعلام ، إنما لتحقيق هدف عملي واقعي في حياة الناس هو إقامة شريعة الله ومنهجه ، وإخضاع الناس لهذه الشريعة وذلك المنهج ، لأن هذا هو السبيل الوحيد الذي يؤدي إلى قيام الناس بالقسط . أي أن هناك عملا ينبغي أن يتم في واقع الأرض بعد التصديق والإقرار . وبغيره لا يكون الهدف من إرسال الرسل وإنزال الدين قد تحقق ، إنما يظل الدين شعارات مرفوعة بغير رصيد واقعي ، أو أمانيّ في الضمائر , لا تقدم ولا تؤخر ، ولا تغير شيئا في حياة الناس ، والإشارة - في الآية - إلى الحديد والبأس ، ونصرة الله ورسله ، واضحة الدلالة في أن من بين الأعمال المطلوبة الجهاد في سبيل الله لكي"يقوم الناس بالقسط".
فإذا كان هذا المعنى متحققا في جميع الرسالات من لدن آدم ونوح
إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - فالرسالة الأخيرة لها وضع خاص ، وتكاليف خاصة ، غير الرسالات السابقة جميعا ، وبالإضافة إليها جميعا .
يقول - سبحانه وتعالى - عن الرسالات السابقة وأهلها:
( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) (2) .
(1) سورة المؤمنون [ 71 ] .
(2) سورة البينة [ 5 ] .