ثالثا: هل يمكن في واقع النفس البشرية أن يؤمن إنسان بشيء ثم يكون سلوكه الواقعي كله مغايرا لمقتضيات ذلك الإيمان ، أو مناقضا له ؟!
ونبدأ بالمنطلق الأول فنسأل أولا: لماذا يرسل الله الرسل إلى البشرية ، ولماذا ينزل معهم الرسالات ؟
ولا نجيب من عند أنفسنا في هذا الأمر الخطير ، فإنه لا ينبغي لأحد أن يجيب من عند نفسه في هذا الأمر ، لأن الله - سبحانه وتعالى - قد تكفل بهذا في كتابه المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه:
( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) (1) .
( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (2) .
وقبل أن نتحدث عن الرسالة الخاتمة - ذات الوضع الخاص والأهداف الخاصة - نتدبر هاتين الآيتين اللتين تتحدثان عن الرسالات عامة من لدن آدم ونوح إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - .
فإحدى الآيتين تقرر أن إرسال الرسل لا يتم من عند الله لمجرد التبليغ والإعلام ، بحيث يسع أي إنسان أرسل إليه رسول أن يقول: لقد بلغني الأمر وعلمته (3) . إنما ينبغي أن يقول: لقد بلغني الأمر وعلمته وأطعته ، ليكون بذلك قد استجاب للرسول المرسل إليه ، وحقق الهدف الذي من أجله أرسل .
(1) سورة النساء [ 64 ] .
(2) سورة الحديد [ 25 ] .
(3) العلم في اللغة يفيد اليقين ، فهو يشمل"التصديق"الذي يتكلم عنه المرجئة ويقولون إنه هو المعنيّ بالإيمان .