ثم تأتي القضية التي تأتي هذه المقدمات كلها توكيدا لها ، وتأصيلا لقاعدتها ، وهي قضية التحليل والتحريم ، ومن الذي يقرر الأمر فيها ، وموقف المؤمنين منها وموقف المشركين ، وما يجعل الإنسان في شأنها مؤمنا أو يجعله مشركا . ومدارها أن المشركين في مكة كانوا لا يذكرون اسم الله على الميتة ثم يحلون أكلها ، ويعطون هذا الأمر شرعية من عند أنفسهم بغير إذن من الله وبغير برهان . فينهى الله المؤمنين أن يأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه - وهو الميتة التي حرمها الله - وينذرهم أنهم إن أطاعوا المشركين فهم مشركون مثلهم ، لأنهم يطيعون تشريعا جاهليا ما أنزل الله به من سلطان .
ومن ذلك يتبين أن قضية الحاكمية لم تبدأ في المدينة بعد نزول التشريع ، إنما بدأت في مكة في وقت تأصيل العقيدة وبيان مقتضيات لا إله إلا الله ، وجاءت الأحكام القاطعة بعد ذلك في المدينة تقرر أنه من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، وأنه لا يعتبر أحد مؤمنا حتى يحتكم إلى الله ورسوله ، تطبيقا وتوكيدا لما تقرر في مكة وقت تأصيل العقيدة .
فإذا كان هذا من جانب التكليف الرباني ، فلننظر إلى الجانب التطبيقي في حياة المؤمنين في المدينة .. كيف تلقوا الأمر الرباني وكيف نفذوه ..
لم يكن أحد في ذلك الجيل المتفرد يتلبث حتى يسأل: هل هذه الأوامر الربانية - سواء منها ما جاء في كتاب الله أو في السنة المطهرة - مُلْزِمَة ؟! هل هي داخلة في مسمى الإيمان أم زائدة عليه ؟ هل يكفي التصديق بأنها من عند الله ، أم ينبغي تنفيذها كذلك ؟!! وهل يكون الإنسان مؤمنا إذا لم يعمل بشيء منها على الإطلاق ؟!!
لم يكن أحد يصنع ذلك ، سواء كان من المؤمنين الذين شهد لهم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بالإيمان ، أم كانوا حتى من المنافقين ، الذين يتظاهرون بالإيمان وهم في دخيلة أنفسهم كافرون .