وهي تبدأ بهذا السؤال الإنكاري:"أفغير الله أبتغي حكما ؟!"الذي يفيد أن الحاكمية لله وحده . هو الذي ينبغي أن يتخذ حكما ، ولا ينبغي لأحد غيره أن يحتكم إليه في أمر من الأمور . ثم تفيد أن الله قد أنزل الكتاب مفصلا فلم تعد هناك حجة لأحد أن يتخذ حكما غير الله في أمر من الأمور .. ويلاحظ أن هذه آية مكية في سورة مكية . وأنه في مكة لم تكن قد نزلت كل التشريعات التي يحتاج إليها الناس في حياتهم ، إنما كان ذلك في المدينة . فالتفصيل الذي تشير إليه الآية ليس هو تفصيل الأحكام - أي تفصيل الفروع - إنما كان تفصيل القضية الكبرى - قضية الحاكمية - وأنها من أصل الاعتقاد . وأن الاعتقاد لا يتم ولا يصح إلا إذا كان معناه ومؤداه هو الالتزام - من حيث المبدإ - بما جاء من عند الله ، كثيرا كان ما جاء من عند الله أم قليلا ، ومختصا بالاعتقاد كان أم مختصا بالأخلاق ، أم مختصا بالأحكام .. (1)
ثم تمضي الآيات في تقرير أن كلمة الله هي الكلمة الفاصلة ، وهي الصدق والعدل ، وأن من لا يتبعها هم الضالون الذين يتبعون الظن ، ومن ثم لا يهتدون ، وأن الله يعلم من يضل عن سبيله ويعلم من يهتدي إليه .
(1) اقرأ في هذا الموضوع بتفصيل وافٍ مقدمة سورة الأنعام في ظلال القرآن ج 7 ص 1004 - 1029 ، وفصل"ألوهية وعبودية"في كتاب"مقومات التصور الإسلامي".