وإذا كانت السور المكية قد ركزت على الجانب الاعتقادي: الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ، والقدر خيره وشره ، وعلى الجانب الأخلاقي كذلك ، وما كان قد فرض في مكة من الشعائر التعبدية ، فإن السور المدنية قد ركزت تركيزا شديدا على قضية الحاكمية ، والالتزام بتحكيم شريعة الله ، واعتبار ذلك هو المحك لصدق الإيمان ، مع التوكيد على الجانب الأخلاقي ، والعبادات الأخرى التي فرضت في المدينة ..
ولكن من الخطأ البالغ أن نظن أن قضية الحاكمية ، أي تقرير كون الحاكمية لله وحده ، وأن حق التشريع من تحليل وتحريم وإباحة ومنع هو حق خالص لله لا يشاركه فيه البشر ، وأن التشريع بغير ما أنزل الله - معه أو من دونه - شرك ، وأن إطاعة الذين يشرعون بغير ما أنزل الله شرك ..
من الخطأ الظن بأن هذه القضية - بتفصيلاتها تلك - قد تقررت في المدينة حين بدأت التشريعات تتنزل ليقيم المسلمون حياتهم عليها . بل لقد تقررت تقريرا واضحا حاسما في مكة ، في أكثر من سورة مكية ، كأصل من أصول الاعتقاد بلا إله إلا الله ، لا بوصفها التزاما سلوكيا فحسب .
خذ على سبيل المثال هذه الآية من سورة الأعراف المكية:
( اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ) (1) .
فماذا تفيد هذه الآية ؟
إنها تفيد أن الناس في حالتين اثنتين: إحداهما مأمور بها والأخرى منهي عنها . الأولى هي الإيمان ، والثانية هي الشرك .
فالإيمان ملخص في قوله تعالى:"اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم".
والمقابل - أي اتباع غير ما أنزل الله - هو اتباع الأولياء - أي الشركاء - وهو الشرك الصريح .
وخذ هذه الآية أيضا من سورة الأعراف:
( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) (2) .
(1) سورة الأعراف [ 3 ] .
(2) سورة الأعراف [ 54 ] .