وسورة النساء ، التي وردت فيها الآية التي تخاطب"الذين آمنوا"فتطلب منهم أن يؤمنوا ، بل تطلب منهم أن يؤمنوا بذات الأشياء التي هم مؤمنون بها بالفعل - كما أشرنا من قبل - لا تقول للذين آمنوا إنكم إذا آمنتم هذا الإيمان المطلوب ، بل رسختموه وحافظتم عليه وحرصتم عليه ، وامتلأت به قلوبكم ووجداناتكم ، وصدقتم وأقررتم ، فلا عليكم بعد ذلك أن يكون سلوككم الواقعي وتصرفاتكم العملية كما تملي عليكم أهواؤكم ، أو كما تقرر لكم أعرافكم .. إنما يفرض عليهم"فرائض" (1) يختم بيانها بقوله تعالى:
( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (2) .
ويوجههم توجيهات معينة يقيمون عليها علاقاتهم الأسرية ، وعلاقاتهم الاجتماعية ، ويوجههم إلى المرجع الذي يرجعون إليه في ذلك كله:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .. ) (3) .
فيربط رد الأمور إلى الله والرسول ، وإجراء الحياة كلها بحسب ما يقضي به الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بالإيمان بالله واليوم الآخر ويجعله شرطه:"إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر".
ثم يخبرهم أنه لم يرسل رسله لمجرد التبليغ والإعلام ، حتى يقول من يقول: لقد بلغني وقد علمت ، وصدقت وأقررت .. إنما أرسلهم ليطاعوا:
(1) هي المورايث .
(2) سورة النساء [ 13 - 14 ] .
(3) سورة النساء [ 59 ] .