فهؤلاء المؤمنون الصادقون الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم - والذكر من عمل الجوارح إلى جانب عمل القلب - ويتفكرون في خلق السموات والأرض ، فيهتدون إلى أنها لم تخلق باطلا ، إنما خلقت بالحق ، والحق يقتضي أن يحاسب الناس على أعمالهم التي قاموا بها في الحياة الدنيا ، فلا بد من بعث وحساب وجزاء ، فيدعون الله أن يقيهم النار ويدخلهم الجنة ، ويتقدمون بمؤهلات الطلب: أنهم بمجرد سماعهم للمنادي الذي ينادي للإيمان - عليه الصلاة والسلام - قد آمنوا .. هؤلاء المؤمنون الذين هذه حالهم وهذه صفاتهم يُخْبَرُون أن الله استجاب لهم .. فلأي شيء استجاب سبحانه ؟ أللتصديق والإقرار ؟ أللتفكر والتدبر ؟ أللذكر الدائم الذي لا ينقطع ؟ أللضراعة الحارة للوقاية من النار ودخول الجنة ؟ أم لشيء بعد ذلك كله ، هو من"مقتضيات"ذلك كله ؟!
"فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم ..."
والتوجيه التربوي واضح .. فالمطلوب ، والذي يستجيب له الله - جل وعلا - هو أن يتحول التفكر والتدبر والتذكر إلى عمل . ولما كانت السورة مشغولة بقضية الجهاد لإقرار الحق في واقع الأرض ، أبرزت الآية أنواعا من العمل تناسب السياق ، فذكرت الذين هاجروا في سبيل الله ، والذين أخرجوا من ديارهم في سبيل الله ، والذين أوذوا في سبيل الله ، والذين قتلوا في سبيل الله ، لا لأنها الأعمال الوحيدة المطلوبة ، ولكن لأنها هي المناسبة في السياق (1) .
(1) أشرت إلى هذا المعنى في كتاب"دراسات قرآنية"في عرض سورة آل عمران .