( كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ) (1)
ولا ينفي كذلك أن تكون بعض الأفكار والقيم ذات قيمة ونفع ، فإن النفس البشرية لا تتمحض للشر الخالص مهما بعدت عن الحق ، ولا يتمحض مجموع الناس في الجاهليات للشر بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا" (2) .
ولكن العبرة في النهاية - في صراع الحق والباطل - ليست بالمنجزات المادية مهما يكن من ضخامتها ونفعها ، وليست بالأفكار والقيم الجزئية التي يمكن أن تكون في الجاهليات .. إنما هي بالقاعدة التي يقوم عليها البنيان كله ..
فلا شك أن كلا من الجاهلية الفارسية والجاهلية الرومانية كان لها منجزات مادية وتنظيمية ضخمة ونافعة ، ولا شك أن بعض القيم وبعض الأفكار النافعة كان موجودا في كل من الجاهليتين ..
ولكن ذلك كله لم يحمِ هاتين الجاهليتين من الانهيار أمام الإسلام ، الذي يقوم كله على القاعدة الصحيحة السليمة ، التي تحقق الغاية الحقيقية للوجود الإنساني ، وهي عبادة الله ، بالمعنىالواسع الشامل للعبادة الذي بيناه من قبل (3) ، رغم قلة العدد والعدة في جانب المسلمين يومئذ ، ورغم الفراغ من المنجزات المادية والتنظيمية إلا القليل الذي لا يكاد يذكر .
وتلك - كما بينا - سنة جارية . ومعنى كونها جارية أنها يمكن أن تتحقق - بقدر من الله - في كل مرة تتحقق مقوماتها وعناصرها ، وتتم المواجهة بمقتضاها ..
ومن جانب الجاهلية فكل المقومات والعناصر قائمة .. قوة مادية هائلة ، وفراغ هائل في عالم القيم والمبادئ والأخلاق ..
(1) سورة الإسراء [ 20 ] .
(2) أخرجه مسلم .
(3) راجع فصل"مفهوم العبادة".