إن الجاهلية لم تقف برمتها أمام عقيدة التوحيد وجها لوجه كما تقف اليوم ، إلا مرة واحدة من قبل ، أيام بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - والصدر الأول من الإسلام .. مع الفارق الذي أحدثه التقدم العلمي ، والتقدم التكنولوجي ، ووسائل النقل ، ووسائل الإعلام ، الذي جعل الكتلة المتكتلة ضد الإسلام أكثر ترابطا ، وأكثر توحدا ، وأكثر ضراوة ..
ولكن المعركة في جوهرها لم تتغير ..
معركة التوحيد والشرك .. معركة الإسلام والجاهلية ..
ولقد واجه الإسلام - بعد تمكنه في الأرض - كثيرًا من عداوات الجاهلية ، مع الصليبيين مرة ، ومع التتار مرة ، ومع اليهود من قبل مرة .. ولكنه لم يقف في وجه جاهلية الأرض كلها مجتمعة إلا مرتين اثنتين: الأولى وقت البعثة المحمدية وصدر الإسلام ، والثانية في الوقت الحاضر .
وهذا يستلزم كما ألمحنا أن تكون العقيدة من النقاء في نفوس أصحابها ، ومن رسوخ الإيمان بها ، والتجرد لله بها ، كما كانت في المواجهة الأولى ، لتكون كفؤا للجاهلية الواقفة أمامها ، فضلا عن التغلب عليها في نهاية المطاف .
أمر ثالث ينبغي أن تدركه الصحوة جيدا .. أن الجاهلية تواجه الإسلام اليوم وهي في قمة حضارتها المادية ، وقمة افتتانها بتلك الحضارة ، والمسلمون في درجة شديدة من التخلف في هذا المجال ..
ومقتضى ذلك أن يواجه المسلمون تلك الحضارة بمثل ما واجه المسلمون الأوائل الحضارة الفارسية والبيزنطية وهما في أوج تمكنهما المادي .. أي بالقيم الحضارية المواجهة تماما للحضارة الجاهلية .
لقد تمت المواجهة الأولى بين الإسلام والجاهلية والمسلمون يكادون يكونون مجردين من أدوات الحضارة المادية وتنظيماتها ، بينما الدولتان"العظميان"يومئذ - فارس وبيزنطة - في قمة من قمم الحضارة المادية والتنظيمية لم يكن قد بلغها أحد قبلهم في ذلك التاريخ ..
وانتصر الإسلام ..