الصفحة 252 من 272

فهذا المولد الفذ هو الذي دفع هذه الأمة تبحث عن"العلم"في كل مصادره ، وتتعلم اللغة اليونانية واللاتينية ، وكل لغة للعلم في ذلك العصر ، لتترجم عنها ، ثم تنشئ حركتها العلمية الذاتية فيما بعد ، التي كان أروع ما ابتكرته المنهج التجريبي في البحث العلمي ، الذي قامت عليه - فيما بعد - حركة أوربا العلمية المعاصرة ، بما تعلمته في مدارس المسلمين .

وهو الذي دفع هذه الأمة إلى التعمير المادي والتنظيمي في الأرض ، بما تشهد به المدن الإسلامية وما حفلت به من صناعة وتجارة وحركة موارة . وما تشهد به نظم الإدارة والقضاء والحسبة ونظم التعليم ونظام الوقف والتنظيمات الحربية وديوان المظالم وديوان الإنشاء .. الخ .. الخ ..

وهو الذي دفع هذه الأمة أن تكشف مجاهل الأرض ، وترسم الخرائط وتحدد المواقع ، في حركة من أكبر حركات الكشف الجغرافي في التاريخ ، والتي على أساسها قامت حركات الكشف الأوربي فيما بعد ، بما فيها حركات فاسكوداجاما ، وكولومبوس ، وماجلان .

وهو الذي أنشأ التراث الفكري الهائل الذي تعجب له الأجيال المعاصرة: كيف تم بهذه الأصالة وهذه الغزارة وهذا العمق .

وهو الذي أنشأ فنونا في الأدب وفي العمارة وغيرها من ألوان الفنون ..

ولكن أهم ما تميزت به تلك الحضارة أنها قامت بكل ما قامت به من عمارة الأرض وهي تستظل بظل العقيدة الصحيحة ، بل تنطلق من مطلقاتها ، فتعمر ما تعمر في الأرض وهي تؤمن بالله واليوم الآخر ، وتحقق مقتضيات الإيمان بالله واليوم الآخر من قيم وأخلاق ومبادئ ، دون تناقض في حسها بين هذا الأمر وذاك .

ولئن كانت هذه الحضارة قد أصيبت بالترف بعد ذلك فقد كان هذا بدء الاختلال في تاريخ هذه الأمة وبدء الانحسار ..

وتلك مشكلة من مشاكل الكيان البشري والحياة البشرية ليس هنا مجال الحديث عنها ، وإن كنا نلم بها إلمامة سريعة في مجال الحديث عن"مفهوم"الحضارة وعمارة الأرض ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت