قامت - عند مولدها - بأعظم قدر من القيم في تاريخ البشرية ، وبأقل قدر من المظاهر المادية قامت عليه حضارة في التاريخ: مجموعة من الخيام ، وبيوت الطين ، وبساتين النخل ، والخيل والإبل والأغنام ، والسهام والسيوف !
وكانت - بصورتها تلك - إحدى معجزات التاريخ !
فهذا القدر من العمارة المادية للأرض لا يتصور إنسان أنه ينشئ حضارة ، فضلا عن تلك الحضارة السامقة الفريدة . ولكن الفيض الهائل من القيم ، الذي لا مثيل له في التاريخ ، مطبقا في صورة واقع ، لا في صورة شعارات أو مُثُلٍ معلقة في الفضاء ، هو الذي عوض هذا النقص في العمارة المادية وغطاه ، وأخرج"خير أمة أخرجت للناس".
ومع أن هذه لم تكن الصورة النهائية لتلك الحضارة ، إنما كانت هي"المولد"فحسب ، إلا أن لنا وقفة عند هذه الصورة الفريدة التي شهدتها البشرية . وقفة تجيب على هذا التساؤل: أي جانبي الحضارة يمكن أن يغطي النقص في الجانب الآخر ويعوضه ( حين يوجد نقص لسبب من الأسباب ) : أهو الجانب المعنوي - جانب القيم - أم الجانب الحسيّ المادي ؟!
إن التجربة الإسلامية الرائعة - في مقابل الجاهلية المعاصرة - تجيب إجابة حاسمة على هذا التساؤل . فقد استطاع الفيض الهائل من القيم أن يعوض التخلف المادي ، ويخرج خير جيل شهدته البشرية ، بشهادة الله وشهادة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بينما لم يستطع الفيض الهائل من الإنتاج المادي والعلمي والتكنولوجي أن يعوض التخلف الروحي والمعنوي والأخلاقي ، فأخرج شر جاهلية في التاريخ .
ولكن صورة"المولد"لم تكن هي الصورة النهائية ، وما كان ينبغي لهاأن تكون .
لقد كان كامنا في هذا المولد كل عناصر النماء والقوة التي برزت فيما بعد .