إن الأمم تبدأ نشأتها متجمعة العزيمة مشحوذة الهمة متوفرة الجهد ، لأنها تواجه تحديات جمة . ومن شأن التحديات أن تشحذ الهمة وتستنفر الجهد وتجمّع العزيمة . وتمضي بضعة أجيال حتى يتم"الإنجاز"بالصورة التي تحقق الوجود وتؤمّنه وتمكّن له ، وتتغلب على التحديات .. وعندئذ يحدث نوع من الاطمئنان إلى ما تم إنجازه بالفعل ، فيحدث معه نوع من التراخي ، وفتور الهمة ، والانصراف إلى الدعة والترف ، وخاصة مع كثرة الموارد المالية التي تصاحب النجاح المادي في أغلب الأحيان ..
وحين يبدأ الترف يبدأ الانهيار ..
وتجيء الأخطار والأمة لاهية في ترفها ، مشغولة بمتاع الأرض القريب ، غير مقدّرة للخطر الذي يقترب منها ، مخدوعة بقوتها ، أو مستنيمة لهواتف الراحة والسلامة والإخلاد إلى الأرض ، مبعدة عنها صوت النذير !
وتمضي السنة الربانية بتدمير المترفين:
( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) (1) .
والسنن الربانية لا تحابي أحدا من الخلق ، مهما زعموا لأنفسهم من مسوغات تسوغ المحاباة !
( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ .. ) (2)
ولقد جرت السنة الربانية على الأمة الإسلامية حين جنحت إلى الترف وأخلدت إلى الأرض ، لأن سنن الله لا تتبدل ولا تتحول:
( .. فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ) (3) .
(1) سورة الإسراء [ 16 ] .
(2) سورة المائدة [ 18 ] .
(3) سورة فاطر [ 43 ] .