الصفحة 248 من 272

وإن إقامة فنون نظيفة ، تلتفت إلى الجمال في الكون وفي الحياة البشرية وتعبر عنه في أداء جميل .. فنون لا تزين الفاحشة لأن الفاحشة ليست جمالا ولكنها هبوط . ولا تزين لحظة الضعف لأنها ليست جمالا إنما هي لحظة غفلة عن إدراك غاية الوجود الإنساني ، أو لحظة تقصير في تحقيق ذلك الوجود . ولا تزين الانحراف والشذوذ لأنه ليس جمالا ، وإنما هو نشاز نافر عن الجمال ، ولا تزين عبادة الشيطان وعبادة الهوى والشهوات ، لأنها ليست جمالا ، وإنما هي حطة للإنسان الذي كرمه الله وفضله ، وأراد له أن يتحرر من كل عبودية زائفة تزري بكيانه وتستذله .. إن إقامة مثل هذه الفنون جزء من المفهوم الإسلامي للحضارة (1) .

وهذا كله ، وما كان في مثل اتجاهه ، هو الجانب المعنوي من الحضارة في المفهوم الإسلامي .

ثم إن هناك جانبا ماديا للحضارة الإنسانية يشمله المفهوم الإسلامي ، وهو جانب ضخم كذلك .

فلئن كان الإنسان مخلوقا لعبادة الله ، فإن عمارة الأرض هي جانب من مفهوم العبادة الواسع الشامل ، الذي يحقق خلافة الإنسان في الأرض .

( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) (2) .

( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) (3) .

وإذا اعتبرنا إقامة لا إله إلا الله في الأرض ، أي إزالة الشرك ، وإقامة التوحيد ، وإقامة العدل الرباني والأخلاق الإيمانية جانبا من"العمارة"، لأن الأرض لا تعمر حقا إلا تحت المظلة الإيمانية التي تقيها من الانحراف والفساد والشر .. فإن الجانب الآخر هو العمارة المادية ، باستخلاص طاقات السماوات والأرض وتسخيرها لخير الإنسان .

(1) راجع إن شئت كتاب"منهج الفن الإسلامي".

(2) سورة البقرة [ 30 ] .

(3) سورة هود [ 61 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت