وهذا الجانب من العمارة يحتاج إلى كدح ذهني وعضلي لتحقيقه . يحتاج إلى معرفة خواص المادة والسنن الربانية التي يُجْري الله بها هذا الكون ( والتي يسمونها في الجاهلية المعاصرة"قوانين الطبيعة"(1) ) ثم استخدام هذه المعرفة في المجال التطبيقي في الفيزياء والكيمياء والطب والهندسة وسائر العلوم ..
وحين تعتبر الجاهلية المعاصرة هذا الجانب هو الحضارة ، أو هو أهم ما في الحضارة ، وأبرز منتجات الإنسان ، فإن الإسلام يشترط شرطا واحدا لإدخال هذه الإنجازات في مدلول الحضارة ، هو أن تكون كلها قائمة وفق المنهج الرباني ، غير حائدة عن مقتضياته ..
إن استخلاص الطاقات الكونية - على ضرورته - ليس هو أهم ما يقوم به الإنسان على الأرض ، ولو وصل به إلى القمر أو إلى المريخ . إنما الأهم من ذلك هو الغاية الكامنة وراءه ، والأسلوب الذي يتم به ، والمنهج الذي يحكمه .
وحين نقول:"الأهم"يفهم بعض الناس أننا نقول"البديل"! يعني أننا نضع القيم المعنوية بديلا من القيم المادية ! و لا يقول بهذا عاقل ! فالقيم المعنوية وحدها لا تملأ المعدات الخاوية إن لم يكن هناك خبز ، ولا تسيّر السيارات والقطارات والطائرات إن لم يكن هناك وقود ، ولا تصنع المدفع والدبابة والصاروخ إن لم تكن هناك مصانع وآلات .
تلك بديهية لا يحتاج الإنسان لذكرها .. ولكن هناك بديهية مقابلة لها لا تقل عنها بداهة ، ولا تقل عنها أهمية ، وإن جادلت فيها الجاهليات كثيرا ، والجاهلية المعاصرة بصفة خاصة ، هي أن الخبز والوقود والمصانع والآلات والسيارات والقطارات والصواريخ والدبابات والمدافع وحدها لا تصنع حضارة ، ولا إنسانا متحضرا ، ولا عمارة حقيقية للأرض ، لأنها - وحدها - بدون"القيم"- تؤدي إلى الخراب !
(1) ذلك حين كفرت الجاهلية المعاصرة بالله ، وعبدت الطبيعة بدلا منه !