الصفحة 245 من 272

فالمشي في الأرض أو الحفر فيها لا يشكل في ذاته نشاطا حضاريا . ولكن المشي الهادف ، الذي يهدف مثلا إلى كشف مجاهل الأرض لسكناها وعمارتها ، والحفر الهادف لإخراج كنوز الأرض وتصنيعها من أجل تلك العمارة ، هذا هو الذي يمكن أن يشكل حضارة ، أو يكون جزءا من حضارة .

وكذلك نشاط العقل ونشاط الروح ، يشترط فيهما لكي يشكلا حضارة أن يكونا هادفين ، وأن يكون هدفهما في الوقت ذاته متجها إلى تحقيق غاية الوجود الإنساني ، وليس معاكسا لهذا الاتجاه .

ومن هنا نستطيع أن نقول - واثقين - أن ما تنتجه الجاهليات من منجزات مادية أو عقلية ( أو روحية أحيانا ) ليس حضارة حقيقية ، وإن بدا رائعا وضخما أحيانا ، وإن بهر أعيننا لأول وهلة ، لأنه يفقد هذا الشرط الأساسي الذي يجعل من النشاط البشري والمنجزات البشرية حضارة ، وهو أن يكون هدفها متجها إلى تحقيق غاية الوجود الإنساني ، وليس معاكسا لهذا الاتجاه .

إن تحقيق الجانب الروحي للإنسان وحده ، على حساب الجانب الحسي والمادي ، وفي عزلة عنه ، لا يحقق غاية الوجود الإنساني كاملة كما بينها المنهج الرباني . وإن تحقيق الجانب الحسي والمادي من الإنسان والحياة البشرية على حساب الجانب الروحي وفي عزلة عنه ، لا يحقق كذلك غاية الوجود الإنساني ، بل يتجه به إلى الدمار والبوار .. ومن ثم فكلاهما لا يشكل حضارة بالمفهوم الصحيح للحضارة . أو إنه يشكل"حضارة جاهلية"إن صح هذا التعبير .

كما أن اجتماع الجانبين معا ولكن على غير قاعدة صحيحة - كما حدث في الجاهلية الفرعونية التي شملت عالم المادة وعالم الروح ، ولكن على قاعدة تأليه الفرعون والعبودية له من دون الله - لا يشكل كذلك حضارة بالمفهوم الصحيح . أو إنه - كما أسلفنا - يشكل حضارة جاهلية إذا قبلنا هذا الاصطلاح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت