الصفحة 244 من 272

وحين تكون غاية الوجود الإنساني هي الاستمتاع بما في الأرض من متاع ، بصرف النظر عن القيم المصاحبة لهذا المتاع من حلال وحرام ، وخير وشر ، وفضيلة ورذيلة ، ورفعة وانتكاس .. تكون الحضارة هي العمارة المادية للأرض ، وهي تيسير الحياة الأرضية وتزيينها ، والانكباب على متعها ولذائذها ، وتكون في الوقت ذاته هي محاولة التغلب على الآخرين للاستئثار بأكبر قدر من المتاع ، ومحاولة إخضاعهم بالقوة والقهر ، سواء بالقوة المادية أو القوة العسكرية أو القوة السياسية أو القوة الاقتصادية أو القوة العلمية .. أو كلها جميعا ..

وحين تكون الغاية هي عبادة الله - على المعنى الواسع الشامل للعبادة الذي بيناه من قبل (1) - يكون مفهوم الحضارة مختلفا عن هذا المفهوم وذاك ، وكذلك يكون تفسير التاريخ ، لأن المعيار الذي يقوم على أساسه التفسير ، هو مدى تحقيق الإنسان لغاية وجوده ، ومدى تفوقه أو تخلفه في تحقيق هذا الوجود .

سبق أن بينا في فصل مفهوم العبادة أن الله - من رحمته - جعل النشاط الطبيعي للإنسان في جميع مجالاته: الجسدية والعقلية والروحية عبادة ما دام يتوجه به الإنسان إلى الله ، ويستمد فيه من منهج الله . بل إنه - سبحانه - قد جعل ذلك النشاط هو هو العبادة المطلوبة من الإنسان ، والتي انحصرت غاية وجوده في أدائها .

وهذا النشاط ذاته هو الذي ينشئ الحضارة .. وما الحضارة إلا منجزات ذلك النشاط البشري في مختلف المجالات .

وحين ندقق في الأمر فليس كل نشاط للجسد أو العقل أو الروح يشكّل حضارة ، أو يكون جزءا من الحضارة - وهذا أمر واضح بالبداهة - إنما هو النشاط الهادف ، الذي يهدف إلى تحقيق غاية الوجود الإنساني .

(1) راجع فصل"مفهوم العبادة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت