حقا إن الزهد في متاع الحياة الدنيا هو القمة في السلوك الإيماني ، وهو أرفع ما يصل إليه المؤمن من المقامات ..
ولكن الزهد في المتاع لا يعطل الإنتاج !
فالمؤمن الحق ينتج بأقصى طاقته في المجال الذي يعمل فيه ، ثم يستهلك لنفسه أقل قدر من الطيبات ، والباقي ينفقه في سبيل الله . وبذلك يتكافل المجتمع ويترابط ، فيحمل القادرون منه غير القادرين ، وتتقارب معيشة الناس فلا يوجد الغنى الطاغي ولا الفقر المدمر .. ثم تجد الدولة الفائض الذي يعينها على أداء رسالة الإسلام . ولن تؤدي رسالتها حتى تكون قوية مهيبة الجانب ، يخشى بأسها الأعداء ..
وما نريد أن نظلم الصوفية فنحملها وحدها وزر الضعف والتخلف الذي أغرى الأعداء بالهجوم من كل صوب ، حتى تحقق النذير الذي أنذر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الأمة:
"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها . قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال: إنكم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل" (1) .
فقد كان مع الصوفية الفكر الإرجائي ، والاستبداد السياسي ، والتفلت من التكاليف ، وغيرها من البدع والمعاصي والانحرافات (2) . كما كان من بين الصوفية من جاهد بسيفه لنشر الدعوة ، ومن قاد الجيوش لقتال الأعداء ، ومن وقف للسلطان الجائر يرده عن ظلم الناس .. وهؤلاء زهاد في الحقيقة وإن ألحقوا بالصوفية ..
كما أن رجال الصوفية وفرقها هم الذين أبقوا العامة مرتبطين بدين الله - رغم البدع والانحرافات - حين عزّ العلماء ، ولم يعد للعامة باب يلجون منه إلى الدين إلا باب الصوفية (3) .
(1) سبق ذكره .
(2) انظر إن شئت فصل"خط الانحراف"من كتاب"واقعنا المعاصر".
(3) الحقيقة أن هناك تناسبا عكسيا بين وجود الصوفية ووجود العلماء . فكلما كثر العلماء انحسرت الصوفية ، وكلما عزّ العلماء انتشرت الصوفية !