وانصرفوا عن مصارعة الباطل ومحاولة إزهاقه ، لأن الله قد أقام العباد فيما أراد ، ولو أراد غير ذلك لكان ، وحين يريد فإنه سيغير من عنده ويخلق الأسباب ..
وكانت النتيجة هي ما أصاب العالم الإسلامي من الفقر والجهل والمرض ، والضعف والتخلف في جميع الميادين !
ولا يستقيم أمر الدين على هذا النحو ، ولا يستقيم حال الأمة كذلك ، ولا تستطيع أن تؤدي رسالتها الكبرى التي ناطها الله بها ، وهي أن تكون هادية ورائدة لكل البشرية:
( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) (1) .
وكيف يكون حال أمة كلها قاعد ، وكلها فقير ، وكلها جاهل وكلها مريض ؟!
وحين يسعى كل إنسان إلى الرزق بالقدر الذي يكفيه لعيشة الكفاف ، فمن أين تجد الدولة"الفائض"الذي تنفقه في سبيل الله ، والذي تنفذ به هذا الأمر الرباني:
( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ .. ) (2)
وحين لا يكون هناك علم أرضي ، ولا تقدم مادي ، فكيف تعد القوة التي ترهب الأعداء ؟
وحين ينتشر المرض فلا يُدَاوَى ، جهلًا بالطب من ناحية ، وقعودا عن التداوي من ناحية أخرى بدعوى التسليم بقدر الله والرضا به ، فكيف توجد الأجسام القوية التي تحمل السلاح في وجه الأعداء ؟
كلا ! إن هذا الأمر الرباني - وحده - فضلا عن أوامر ربانية كثيرة أخرى يستلزم منهجا للحياة مختلفا أشد الاختلاف .
يستلزم أن يقبل الناس على العلم الدنيوي فيتمكنوا فيه ، ويتفوقوا فيه على الأعداء . وأن يسعوا إلى التقدم المادي ويتفوقوا فيه على الأعداء . وأن يكون في أيديهم مال وفير ، ينشئون به القوة اللازمة للتغلب على الأعداء ..
وأن يكون عندهم"إنتاج"وفير في كل مجال وفي كل ميدان .
(1) سورة البقرة [ 143 ] .
(2) سورة الأنفال [ 60 ] .