كما أنهم هم الذين حفظوا شيئا من ترابط الأمة المسلمة حين فرقتها السياسة والحرب ، وجزأتها في دول متناحرة على الغلبة والسلطان ..
ولكن هذا الجهد الذي بذلوه كله لا ينفي عنهم خطأ المنهج الذي أدى إلى فساد المفاهيم:
فصل الدنيا عن الآخرة ، ووضعهما في موضع التضاد والتقابل ، بحيث يصبح التعامل مع إحداهما بمثابة الامتناع عن التعامل مع الأخرى ..
وحصر العبادة في الشعائر التعبدية ، والتركيز عليها ، وإهمال المفهوم الشامل للعبادة ، الذي يشمل كل نشاط الإنسان ..
ولا هذا من الإسلام .. ولا هذا من الإسلام !
حين دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة أمر ببناء المسجد .. ثم وجه الصحابة - رضوان الله عليهم - إلى السوق .. وقد كانت السوق يومئذ في يد اليهود ، ولهم هناك صولة الاقتصاد قائمةً على الربا وأكل أموال الناس بالباطل . فهل أمر الزاهد العظيم - صلى الله عليه وسلم - أصحابه الزاهدين أن يزهدوا في أمور الاقتصاد - وهي في حس المتأخرين من أمور الدنيا - ليفوزوا بالآخرة ، ويدعوا السيطرة الاقتصادية لليهود ، تزيد من قدرتهم على الإفساد في الأرض ؟!
إن توجيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للصحابة أن يجاهدوا لنزع السيطرة الاقتصادية من اليهود أمر له دلالته ..
فالمسجد ، الذي بدأ ببنائه ، هو الذي تقام فيه الصلاة المعلِنة عن قيام أمة لا إله إلا الله ممكنة في الأرض .. وهو الذي تتربى فيه الأمة على هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقضى فيه بين المسلمين ، وتقرر فيه سياستهم ، وسلمهم وحربهم .. والسوق هي التي تقام فيها الحياة الاقتصادية التي تقوم عليها حياة الأمة المسلمة:
( أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ) (1)
ولا بد من هذه وتلك ، ليتكامل كيان الأمة التي تدعو إلى الخير ، وتأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر ، وتحصل على الفلاح:
(1) سورة النساء [ 5 ] .