أما الذي لا يذنب أبدا - إن وجد هذا الإنسان قط - فهو الذي لا يعمل أبدا ! وتكون خطيئته الكبرى - التي لا يتنبه لها - هي أنه لا يعمل !! وهي خطيئة ثقيلة في الميزان ، لأنها تقصير في أداء واجبات مفروضة على الإنسان !
ليست البراعة أن يحمل الإنسان فوق رأسه سلة مملوءة بالأشياء ، ثم يجلس ساكنا لا يتحرك أي حركة لكي لا يقع من السلة شيء ! لأنه مهما بذل من الجهد وتحمل من المشقة في هذه الجلسة الساكنة فقد تعطل عن الحركة المطلوبة منه !
( كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ) (1)
إنما البراعة أن يتحرك الحركة المطلوبة والسلة فوق رأسه لا تقع على الأرض ، ولا يتبعثر ما فيها من الأشياء ! فإذا وقع منه شيء - رغم الجهد والمحاولة ، والنية السليمة - فهنا يتفضل الله سبحانه بالعفو والمغفرة لمن لم يتهاون في الأمر ، ولم يستصغر وقوع ما وقع منه ، ولم يصرّ على ما فعل ، بل سارع بالتذكر وسارع بالاستغفار .
وهنا تتبدى رحمة الله بالإنسان حتى وهو مذنب ، ما دام قائما بالعمل المطلوب منه ، وما دام الخطأ يقع منه في أثناء أدائه للواجبات ، لا في أثناء قعوده أو إعراضه عن الواجبات !
وتتبدى كذلك عظمة المنهج الرباني في التعامل مع"الإنسان"..
ليس المطلوب من الإنسان - في المنهج الرباني - أن يقتل رغباته لكي يسلم من ارتكاب الذنوب - وهو لا يسلم أبدا في الحقيقة ! - لأن ذلك يعطل جوانب كثيرة من مهمة الخلافة التي خلق الله لها الإنسان .
إنما المطلوب منه أن يعمل ويتحرك - في جميع المجالات المتاحة المباحة - ليعمر الأرض بمقتضى المنهج الرباني ، وهو متقٍ لله جهد الطاقة:
( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ) (2) .
فتمتلئ الأرض بالنشاط والحركة ، والنماء والقوة ، مع النظافة بقدر ما يطيق البشر .. وهذا هو"إصلاح الأرض"كما ورد في التعبير القرآني:
(1) سورة عبس [ 23 ] .
(2) سورة التغابن [ 16 ] .