الصفحة 235 من 272

إن هذه التحذيرات جاءت للتذكير ، حتى لا يفتن الناس بالدنيا وينسوا الآخرة ، ولم تجيء لمنع ممارسة الحياة في الدنيا ، أو منع الحركة والنشاط والعمل فيها ..

إنها أشبه بلافتات تنبه الناس إلى الخطر عند منزلقات الطريق .. لا لكي يمتنعوا عن السير ! وإنما ليحذروا الانزلاق ! فإذا جاء قوم فقالوا: لا نسير في هذا الطريق لأن هناك لافتات تحذّر من الانزلاق ، فقد بالغوا ولا شك في الحذر حتى وصل بهم الحذر إلى القعود ! والواثق من نفسه يُقْبِلُ على السير ويحاول أن يتقي المزالق . أما الخائف فإنه يكف عن المسير !

وانظر إلى هذا الحديث من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم:

"والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا فتستغفروا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم" (1) .

هل هو حض على ارتكاب الذنوب ؟!

كلا بالقطع !

فما يكون من شأن رسول مرسل من عند الله - صلوات الله وسلامه عليهم جميعا - أن يحض الناس على إتيان الذنوب ، وهو الذي يدعو الناس إلى طاعة الله والابتعاد - قدر الطاقة - عن الذنوب !

إنما هو حض على العمل !

فحين يمارس الإنسان العمل في واقع الحياة فإنه يتعرض لوقوع الذنوب منه لا محالة !

"كل بني آدم خطاء .." (2)

وعندئذ يكون سبيل المؤمن الذي يعمل في واقع الحياة ثم يقع منه الذنب أن يستغفر:

( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) (3) .

(1) أخرجه مسلم .

(2) سبق ذكره .

(3) سورة آل عمران [ 135 - 136 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت