الصفحة 233 من 272

وأيًّا سميتها .. فهي شعور يوحي للنفس بالرضى والاكتفاء .. الاكتفاء بما هو حاصل .. وعدم الرغبة في شيء بعد ! أو إن رغب فإنما يرغب في"مقامات"أعلى .. فيبذل مزيدا من الرياضة الروحية .. مزيدا من قتل النفس لكي تحيا .. مزيدا من الفناء الذي يحدث الوجود !

وحين تجتمع تلك العوامل الثلاثة ، مضافا إليها المفهوم السلبي لعقيدة القضاء والقدر ، الذي لا يسعى إلى تغيير شيء مما وجد بالفعل - أيا كان سوؤه - لأنه وجد بقدر من الله ! ولأن محاولة تغييره تعتبر في نظره تمردا على قدر الله ..

حين تجتمع تلك العوامل كلها في نفس الصوفي فأي شيء يدفعه للحركة في خضم الحياة الموّار ؟! إنما قصاراه - إن تحرك - أن يتحرك ليتجنب اللجة ، لكي ينعم في الأرض بالسلام !

وأخيرا تتكئ الصوفية - كما أسلفنا - على فتنة الدنيا التي تؤدي إلى الوقوع في المعاصي ، والتي لا تتقى إلا بقتل شهوات النفس ، لكي تبتعد عن مزالق الشيطان ..

ويجدون في هذا المجال وفرة من توجيهات القرآن ، ووفرة من توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم .

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) (1) .

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) (2) .

( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ) (3) .

(1) سورة فاطر [ 5 ] .

(2) سورة لقمان [ 33 ] .

(3) سورة الكهف [ 45 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت