وهكذا تلتقي في نفس الصوفي عوامل كثيرة تصرفه عن العمل في واقع الحياة .. عن"الجهاد"الذي يخوضه الزاهد لإقامة منهج الله في الأرض .. لتكون كلمة الله هي العليا .. ليكون الدين كله لله .. لتحطيم الباطل وإزهاقه ، وإقامة الحق وإعلائه .. للبناء والتعمير .. للزيادة والنماء .. لإعداد القوة لإرهاب عدو الله ..
العامل الأول هو نظرته للدنيا - وهي في حسه منفصلة عن الآخرة - على أنها السجن الذي يسعى إلى الخلاص منه ، بانطلاقة الروح التي تخلصت من ثقلة الجسد ، فاتصلت بالنور الإلهي واتصلت بالآخرة - المنقطعة في حسه عن الدنيا ..
وحين تكون الدنيا هي السجن .. فهل يسعى السجين قط إلى عمارة السجن ، وهو يعاني منه ما يعانيه ؟!
إنما ينصرف بفكره عنه .. ولا يعنيه ما تلف منه أو تهدم .. ولا يسعى إلى إصلاح شيء فيه .. بينما هو يتطلع إلى يوم الخلاص منه !
والعامل الثاني هو انعدام"الرغبة".. بسبب انعدام"الدوافع"التي تحرك الرغبات ..
إنما"يرغب"الإنسان في الطعام والشراب والملبس والمسكن والجنس .. أو"يرغب"في القوة .. أو"يرغب"في التملك .. أو"يرغب"في العلم .. أو"يرغب"في الغلبة .. أو"يرغب"في المكانة .. أو"يرغب"في السبق .. أو"يرغب"في البناء الحسّي أو المعنوي .. فيتحرك .. يتحرك لتحقيق ما يعتمل في نفسه من رغبات ، بصرف النظر عن كونها رفيعة أو هابطة ، سوية أو منحرفة ، ملتزمة أو طاغية ..
فأما حين يكون هَمُّ الرياضة الروحية هو قتل تلك الرغبات"لتخليص"النفس منها .. فلأي شيء يتحرك ؟ لأي شيء يسعى ؟ وهو لا يطلب شيئا من هذه الدنيا كلها .. وإن طلب فمجرد القوت الذي يحفظ الحياة .. وبأقل قدر من المئونة التي تحفظ الحياة ؟!
وأما العامل الثالث فهو تلك الإشراقات الروحية ، أو إن شئت قل ذلك الخدر الذي يخيِّل لصاحبه أنه"واصل".. أو قل لذة الفناء التي تحدث الوجود !