( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) (1) .
وهذا هو الجانب الذي لمحته الصوفية فركزت عليه .. إذ رأت أن الإنسان يسقط في الابتلاء من جانب شهواته ، وأنه إذا استطاع أن يقضي عليها ويقتلها فقد نجح في الابتلاء ..
ولكنهم أغفلوا الحكمة من إيجادها ، ومن ضرورة الإبقاء عليها حية في نفس الإنسان ، مع ضرورة ضبطها ما وسع الإنسان الجهد .. كما يقضي بذلك المنهج الرباني كما أنزله الله وكما بينه رسول الله:
"ألا إني أعبدكم لله وأخشاكم له ، ولكني أصوم وأفطر ، وأقوم وأنام ، وأتزوج النساء .. ) (2) "
وحين أغفلوا هذه الحكمة فماذا كانت النتيجة ؟!
إن الإنسان لا يستطيع أن يكون نورا خالصا كما تشتهي الصوفية من جهادها الضخم مع الشهوات !
وفي الوقت ذاته هل يكون الإنسان قد قام بالعبادة المطلوبة منه - المفصلة على قده هو (3) - لو نجح في الوصول إلى الشفافية النورانية الروحية بقتل الجسد وإماتة الشهوات ؟!
لا أحد ينكر أن الصوفي الحقيقي (4) يصل بالرياضة الروحية إلى آفاق شفيفة تحلق فيها روحه خفيفة من ثقلة الجسد ، طليقة من جذب الشهوات ، فترتاد عوالم لا يقدر عليها اللاصق بالطين ، المستغرق في الشهوات ..
لكن يقع الصوفي من جانب آخر في خدر لذيذ يخيِّل إليه أنه"واصل".. ومن هنا لا يعمل ! لأنه إذا كان العمل هو وسيلة الوصول للإنسان"العادي"، وهو قد وصل بالفعل ، فما حاجته بعد إلى الوسيلة ! إنما يسعى إلى الوسيلة من لم يتمكن من"الوصول".. أما الواصلون .. فحسبهم أنهم واصلون !
(1) سورة الكهف [ 7 ] .
(2) سبق ذكره .
(3) راجع فصل"مفهوم العبادة".
(4) أي الصادق المتبتل ، لا المشعوذ المحترف .