وأمر آخر في تلك المعركة مع الشيطان يلفت الانتباه .
لقد كانت سبيل الصوفية في معركتهم مع الشيطان هي قتل"النفس"التي يأوي إليها الشيطان حتى لا يجد له مأوى فينصرف ! فإنما مأواه هو الشهوات المزينة للإنسان ، يظل ينفث فيها وينفخ فيها حتى تشتعل ، فيعجز صاحبها عن إطفائها فتزداد اشتعالا ! أما إذا ماتت الشهوات فما عاد للشيطان مأوى في النفس يأوي إليه ، وما عاد يستطيع أن يقوم بدوره الذي يضطلع به:
( .. وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ .. ) (1) .
( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ) (2) .
لذلك يظل الصوفي"يجاهد"، ويتحمل في سبيل ذلك الجهد ، حتى يظفر أخيرا بقتل شهواته ، لينصرف عنه الشيطان !
أما الزاهد فليست سبيله في معركته مع الشيطان هي"قتل النفس"بقتل الشهوات .
إنما سبيله التي يستمدها من المنهج الرباني ، هي"تحصين النفس"من غواية الشيطان جهد الطاقة ، مع الإبقاء على حيويتها من أجل عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني ، ومن أجل الجهاد في سبيل الله .
إن هذه الدوافع التي أوجدها الله في النفس الإنسانية لم يوجدها عبثا ، إنما أوجدها سبحانه لغاية ..
فلقد خلق الله الإنسان ليكون خليفة في الأرض ، وكلفه بعمارتها .
( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) (3) .
( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) (4) .
ولحكمة ما خلقه من قبضة من طين الأرض ، ثم نفخ فيه من روحه ، ولم يخلقه - كما خلق الملائكة - من نور خالص !
(1) سورة النساء [ 119 ] .
(2) سورة الإسراء [ 64 ] .
(3) سورة البقرة [ 30 ] .
(4) سورة هود [ 61 ] .