آفاق عالية ، تنطلق فيها الطاقة المخزونة التي رفعها الزهد ، فتنشئ في عالم الواقع بناء شامخا يبهر الأنظار ، فيسري نوره في الأرض ، فيضيء من ظلمات البشرية ما قدر الله أن يستضيء .. ويسري النور في نصف قرن فيضيء ما بين المحيط في الغرب إلى ما وراء الهند في الشرق ، لا تقف في وجهه الحواجز ، ولا تثبت في وجهه الظلمات .
هذا ، والزهاد - وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - لا يحرّمون المتاع ، إنما يرتفعون فوقه ، فلا يعود يشغلهم عن الجهاد في تلك الآفاق العالية التي يجاهدون فيها ، ولا عن الأهداف العالية التي يعملون بطاقتهم الإيجابية كلها لتحقيقها في عالم الواقع .
وحين تجد الزوج الودود عائشة - رضي الله عنها - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينام على عباءته فوق الأرض اليابسة فتشفق عليه ، فتطبق له العباءة طبقتين لتكون ألين لجسده الشريف ، يغضب - عليه الصلاة والسلام - ويأمرها أن تعيدها كما كانت ، ليظل على درجته الرفيعة من التبتل إلى الله ، لا يشغله هذا"اللين"النسبي عن توفير طاقته كلها للجهاد في سبيل الله . ومع ذلك فهو - صلى الله عليه وسلم - الذي قال:"ولكني أصوم وأفطر ، وأقوم وأنام ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني !".
أما الصوفية فماذا صنعوا بتلك الطاقة الهائلة التي وفرها في نفوسهم ترفعهم عن المتاع ؟!
لقد صرفوها إلى نوع آخر من الجهاد .. جهاد الشيطان في داخل النفوس . وأوّلوا في سبيل ذلك كل آيات الجهاد الواردة في كتاب الله ، حتى تلك التي تشمل ألفاظا صريحة تنص على قتال الكفار والمنافقين والغلظة عليهم !