يفترقان في نوع العبادة التي يتجه كل منهما إليها .. أي أنهما في الحقيقة يفترقان في"مفهوم العبادة"، ومن ثم يفترقان في منهج الحياة ، وفي منهج السلوك .
إن الامتناع عن بعض الشهوات يحتاج بادئ ذي بدء إلى عزيمة قوية ، لبناء"السد"الذي يقف في وجه هذه الشهوات . ثم إن هذا الامتناع ذاته ، حين يقف في وجه التيار المتدفق للشهوات ، يجمّع في النفس طاقة هائلة ، رفيعة في ذاتها ، تتجه إلى مستويات أعلى ، وتنطلق في تلك المستويات العالية ، كما يقف السد في وجه تيار الماء فيحجز جانبا منه ، فيرتفع مستواه ، فيصل إلى مستويات لم يكن يصل التيار إليها في مجراه الأصلي ..
وإلى هنا تتشابه"العملية النفسية"التي تنشأ عن الزهد ، والتي تنشأ عن التصوف .. وتتجمع في نفس الزاهد وفي نفس الصوفي طاقة نفسية هائلة ، رفيعة المستوى ، قابلة للتوجه إلى آفاق لا يصل إليها قط صاحب النفس المنساقة مع الشهوات ..
ثم تختلف الآفاق ..
فأما زهاد الجيل الأول ، وعلى رأسهم سيد الزهاد - صلى الله عليه وسلم - فقد علمنا طبيعة الآفاق التي رفعهم إليها زهدهم في متاع الأرض ..
الجهاد في سبيل الله . الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا . الجهاد ليكون الدين كله لله . الجهاد لإقامة العدل الرباني في واقع الأرض . الجهاد لإقامة المجتمع المثالي الذي يحقق في عالم الواقع ما يتخيله الناس في عالم المثال . الإيجابية الهائلة التي تغير الواقع المنحرف ، وتنشئ بدلا منه الواقع السوي . الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، اللذان هما رسالة الأمة التي أخرجها الله لتكون خير أمة:
( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) (1) .
(1) سورة آل عمران [ 110 ] .