الصفحة 223 من 272

واتكأوا كذلك كثيرًا على أن التعلق بالدنيا يؤدي في حياة المؤمن إلى المعصية التي تجلب عليه غضب الرب ، وتعرضه للعذاب في الآخرة ، وقالوا: إنه لا سبيل إلى درء المعاصي إلا باحتقار الدنيا وازدرائها ، والخروج من زخرفها وزينتها ، والبعد عنها قدر المستطاع ..

فأما الآيات فقد وردت - كما قلنا - في حق الكفار والمنافقين ..

وصحيح أن المؤمن يناله نصيب منها إن وقع في بعض ما يقع فيه الكفار - وإن كان لا يكفر بذلك ما دام محافظا على أصل الإيمان - كما ورد في هذه الآية التي تخاطب المؤمنين:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (1) .

وكما كان سيدنا عمر - رضي الله عنه - في خوف دائم من أن يناله قول الله تعالى: ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا ) (2) وقوله تعالى: ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) (3) مع علمه بأنهما نزلتا في حق الكفار ..

ذلك صحيح ..

والتعلق بالدنيا ، الذي يؤدي إلى الغفلة عن الآخرة ، أمر لا يقبله الله من مؤمن ولا كافر ، وإن اختلف الجزاء بين هذا وذاك ..

ولكن هذا كله شيء ، واعتبار الدنيا والآخرة معسكرين متقابلين إن اتجه الإنسان لأحدهما انفصل - بالضرورة - عن الآخر ، ومن ثم ينبغي الاختيار بينهما لاختيار أحدهما ونبذ الآخر .. هذه قضية مختلفة لا سند لها من دين الله !

(1) سورة التوبة [ 38 - 39 ] .

(2) سورة الأحقاف [ 20 ] .

(3) سورة التكاثر [ 8 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت