أو ليس الذي يبتعد عن متاع الغرور ، ويتعلق بالدار الآخرة وهي"الحيوان لو كانوا يعلمون" (1) هو الفائز حقا ، والمحقق لجوهر الدين حقا ، والضارب لأروع الأمثلة حقا ؟!
ولكن عند التحقيق تتبين جوانب من الأمر قد تكون خافية لأول وهلة ..
أما أنهم ابتغوا بذلك وجه الله .. فنعم !
وأما أنهم سلكوا الطريق الذي فرضه الله .. فلا !
ولا نتكلم الآن عن شطحات الصوفية ، ولا عن وحدة الوجود ، ولا عن الحلول ، ولا أمثال ذلك من انحرافات العقيدة ..
ولا نتكلم الآن كذلك عن عبادة الأضرحة والأولياء ، وما انتشر حولها من بدع وخرافات وأساطير ، وعن اتخاذ وسطاء بين العباد وبين الله ، وقد جاء هذا الدين لينفي الوساطة كلها ، ويحرر القلب البشري منها ، ويعقد صلته بالله مباشرة بلا وسطاء ولا شركاء:
( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) (2) .
لانتحدث الآن عن هذه الانحرافات كلها ، وعن الشرك الواقع فيها ، لأن مجال حديثنا الحاضر هو"مفهوم الدنيا والآخرة"، لذلك نتحدث هنا عما أفسدته الصوفية في هذا المجال بالذات .
لقد اتكأ الصوفية كثيرًا على الآيات التي وردت في ذم الدنيا ، والأحاديث التي وردت في لعنها (3) .
واتكأوا كذلك كثيرًا على حال الزهاد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذين هجروا متاع الحياة الدنيا ولم يتعلقوا بشيء منه .
(1) جاء في سورة العنكبوت ( آية 64 ) :"وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ".
(2) سورة البقرة [ 186 ] .
(3) كقوله صلى الله عليه وسلم:"الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها ، إلا ذكر الله أو عالم أو متعلم"رواه ابن ماجه والترمذي .