( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) (1) .
( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (2) .
ولكن هذا التوازن الجميل الذي أنشأه الإسلام في النفس البشرية ، وحققته الأجيال الأولى من المسلمين ذلك التحقيق الرائع . الذي وعاه التاريخ ، والذي أثر في الواقع البشري بصورة لا يوازيها تأثير آخر في التاريخ ..
هذا التوازن الجميل بدأ يختل بعد تلك الأجيال الأولى ، وإن كان الخلل في هذه المرة قد وقع في الاتجاه المقابل تماما لما كان عليه في الجاهلية العربية ..
كان الخلل في الجاهلية العربية هو انفصال الدنيا في حس الناس عن الآخرة ، لعدم إيمانهم بالآخرة والبعث والجزاء ، ومن ثم إيثار الحياة الدنيا ؛ وهو الآن انفصال الدنيا في حس الناس عن الآخرة لاستصغارهم شأن الحياة الدنيا واحتقارها ، ومن ثم إيثار الآخرة !
ولأول وهلة يبدو هذا الأمر هو عين الإيمان ! وهو الواجب الذي ينبغي للمرء المؤمن أن يسعى إليه ، وحين يصل إليه يدون قد بلغ الذروة التي ما بعدها ذروة ، وحقق أروع ما في هذا الدين ..
وهذا ولا شك هو الذي خطر في بال أولئك الذين آثروا الآخرة على الدنيا على الصورة التي قدمتها الصوفية ، التي انتشرت قرونا طويلة على امتداد الأرض الإسلامية ، وما تزال آثارها قابعة هنا وهناك ..
أليس الله هو الذي يقول:
( فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) (3) ؟
(1) سورة القصص [ 77 ] .
(2) سورة الملك [ 15 ] .
(3) سورة آل عمران [ 185 ] .