الصفحة 220 من 272

ونقطة الابتلاء في الأمر كله هي: هل يستخدم الإنسان هذه الأداة العظيمة التي وهبها الله له ، فيضبط منطلق شهواته ، ويرتفع بذلك الضبط إلى المستوى اللائق له ، وينشئ"الحضارة"بمعناها الحقيقي ، ويحقق دور الخلافة الراشدة .. وينال فوق ذلك كله الجزاء الأوفى في الآخرة ، في الجنة التي"فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" (1) أم يلقي هذه الأداة العظيمة جانبا ، وينساق مع شهواته ، فيهبط وينتكس ، ويدمر نفسه فردا وجماعة على المدى القريب أو المدى البعيد ، ولا ينشئ"الحضارة"الحقيقية اللائقة به ، ولا يحقق الخلافة الراشدة في الأرض ، وفضلا عن ذلك كله يتعرض للعقاب الرهيب الذي لا تطيقه النفوس ولا تطيقه الأبدان:

( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا ) (2) .

وإذا كانت هذه هي القضية في حس الإنسان السوي فالموقف الذي تمليه الحكمة ، ويتناسب مع"الفؤاد"الذي وهبه الله له ، أن يكتفي بالقدر المباح من المتاع لا يتجاوزه إلى ما حرم الله ، فتستقيم حياته في الدنيا ، وينجو من عذاب الله الرهيب ، ويستمتع في الآخرة بالجنة والرضوان .

وهكذا كان الأمر في حس الأجيال الأولى التي تربت على المنابع الصافية لهذا الدين ، كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . وكانت الدنيا والآخرة في حسهم - تبعا لذلك - طريقا واحدا وحسبة واحدة:

(1) متفق عليه .

(2) سورة النساء [ 56 - 57 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت