الصفحة 217 من 272

إن الإنسان السوي - بادئ ذي بدء - لا يغلق روحه دون عالم الغيب ، ولا يحصر نفسه في محيط ما تدركه حواسه فحسب ، فقد زوده خالقه سبحانه - لكي يعينه على القيام بمهمة الخلافة التي خلقه من أجلها - بقدرتين متقابلتين ، يؤدي بكل منهما جانبا من مهمة الخلافة ، ويتوازن بهما معًا فلا يفقد توازنه من هنا ولا من هناك . إحداهما هي الإيمان بما تدركه الحواس والثانية هي الإيمان بالغيب . وبالقدرة الأولى يتعامل مع واقع الحس القريب ، ومع الكون المادي من حوله ، فيتعرف على خواص المادة ، ويستثمر علمه في تحقيق ما سخر الله له من طاقات السماوات والأرض من أجل تحسين أحواله على الأرض . وبالقدرة الثانية يتعامل مع الحقائق التي لا يدركها حسه - وإن كان يدرك آثار وجودها - والتي هي مفطور على الإيمان بها ، والتعامل معها ، والارتباط بها ، كحقيقة الألوهية ، وحقيقة النبوة والوحي الإلهي ، وحقيقة البعث والجزاء ، ليقوم بالجانب الآخر - الأهم في الحقيقة - وهو إقامة العمارة المادية للأرض على مقتضى المنهج الرباني ، فلا تكون مجرد عمارة مادية ، ولا تكون محصورة في مطالب الجسد وملذاته ، إنما ترتفع لتكون"حضارة"بالمعنى الحقيقي للحضارة . أي عمارة تحيط بها قيم عليا ، توجهها الوجهة اللائقة"بالإنسان"، الذي خلقه الله من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله ، ولا يتحقق مقتضى النفخة الروحية فيه إلا بهذه القيم المستمدة من الوحي الرباني ، والتي يبقى الإنسان بدونها غارقا في الطين ، لا يقدر على الارتفاع عنه ، لأنه يعطل في نفسه جهاز الارتفاع والتحليق ..

وهذا الإنسان السوي - المتوازن في تركيبه بين قبضة الطين ونفخة الروح ، المستمد نظام حياته من المنهج الرباني - ترتسم القضية في حسه بصورة مختلفة ..

ففي الحياة الدنيا قدر من المتاع أباحه الله .. أباحه منذ هبط آدم وزوجه إلى الأرض:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت