والقضية في حسه على هذا النحو: جنة يوعد بها - على غير إيمان منه ، أو إيمان يستوي وجوده وعدمه - ذات تكاليف في النفس والمال ، وقعها في حسه أنها حرمان من المتاع ، لأنه لا يريد أن يكتفي بالقدر الذي أباحه الله ، إنما يريد أن يسترسل مع شهواته ، ولا يستخدم جهاز"الضبط"الذي وهبه الله إياه ليتحكم في هذه الشهوات . وفي مقابل ذلك متاع قائم بالفعل ، هو مسترسل فيه إلى أقصى المدى ، ويقال له إن استمتاعه به على النحو الذي يزاوله سيحرمه من الجنة .
وحين صارت القضية على هذا النحو ، وصار الخيار بين الجنة الموعودة مع الحرمان من المتاع الزائد عن الحد ، وبين المتاع الطاغي مع الحرمان من الجنة في الآخرة الموعودة ، فقد آثر الحياة الدنيا .
( فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ) (1) .
( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) (2) .
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ) (3) .
وقد آثر أن يستمتع بما بين يديه من المتاع الزائد عن الحد ، لأن الحرمان منه أشد لذعا في حسه من العذاب الذي توعده الله به ، إما لأنه لا يؤمن بالآخرة أصلا ، فالعذاب المتوعد به في حسه وهم لا حقيقة له ، وإما لأنه ضعيف الإيمان بالآخرة ، ومن ثم فإن ذلك العذاب ، المنبهم في خياله ، أخف وزنا في حسه من العذاب القريب الذي يحدثه حرمانه من المتاع .
(1) سورة النازعات [ 37 - 39 ] .
(2) سورة الأعلى [ 16 - 17 ] .
(3) سورة محمد [ 12 ] .