الصفحة 203 من 272

ومزية هذه العقلية العلمية الغيبية في آن واحد ، أنها لا تفاجأ حين تجد نتيجة لا تفسرها الأسباب الظاهرة ، لأنها تعلم أنها تمت بقدر من الله . ولا يصيبها ما أصاب هتلر ، حين اتخذ كل الأسباب التي كان في طوق بشر أن يتخذها ، فلما خاب مسعاه انتحر، ولم يطق النتيجة التي قدرها الله من وراء كل الأسباب !

هذه العقيدة الرائعة التي أنشأت في حياة الأجيال الأولى من هذه الأمة ما أنشأت من منجزات تشبه المعجزات .. ماذا أصابها خلال القرون ، فانحدرت إلى مثل ما انحدرت إليه البوذية والهندوكية والرهبانية ؟

كيف صارت إلى تقاعس وقعود وتنصل من المسئولية وانصراف عن التغيير ، أدى كله في النهاية إلى هذا الضعف الفكري والعلمي والمادي ، وهذا التخلف الحضاري ، الذي اجتذب قوى الشر من كل صوب تحاول اقتلاع جذور الإسلام من الأرض ، وتندد بواقع المسلمين السيئ لتنفر من الإسلام ذاته ، بزعم أن هذا الواقع هو الإسلام !

إن شكل العقيدة كما قلنا لم يتغير .. ولكن جوهرها تغير تغيرا هائلا بكل تأكيد .

لقد أصابه ما أصاب لا إله إلا الله وبقية العبادات .. أفرغ من محتواه الحقيقي ، وأصبح صورة بلا رصيد .

وفي أثناء ذلك كانت عقيدة القضاء والقدر قد تحولت إلى مباحث كلامية تختلف الفرق من حولها ، ولم تعد منهجا للتربية الإسلامية ! قضايا فلسفية يجهد الذهن في إيجاد حلول لها ، والأمة لا تُرَبَّى ، ولا يلتفت أحد إلى القيمة التربوية الهائلة لعقيدة القضاء والقدر في صورتها الإسلامية الصحيحة ! على نفس النحو الذي تحولت به عقيدة التوحيد إلى مباحث كلامية ذهنية تجريدية باردة ، لا تحرك الوجدان الديني ، ولا تؤدي إلى سلوك عملي ، وتزرع في القلب الشبهات أكثر مما ترسخ الإيمان ! ويتناولها الدارسون على أنها"العقيدة"، فينعزل الدارسون عن واقع الناس الحيّ ، وعن مقتضيات الدعوة ومقتضيات التربية ، ويدورون مع"الكلام"حيث دار !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت