إن المسلم الحق لا يقل إيمانا بقدر الله عن أي مؤمن به في هذا الوجود ، ولكنه لا يغفل عن عظم دوره في الأرض ، لأن قدر الله قد شاء أن يجعل الإنسان خليفة في الأرض ، وأن يسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ، وأن يكرمه ويفضله على كثير ممن خلق ، وأن يجعله ستارًا لقدره في الأرض .
وهو من جانب آخر لا يقل اتخاذًا للأسباب ، ولا إدراكا لقانون السبب والنتيجة عن أشد البشر اتخاذا للأسباب . ولكنها في حسه ليست حتمية ، وليست نهائية ما لم يقررها قدر من عند الله .
والجاهلي الأوربي المعاصر ينظر بسذاجة إلى العقلية الإسلامية فيقول إنها عقلية غيبية لا تؤمن بقانون السببية . وهو في قولته هذه يكشف عن جهله بأمر لا يستطيع حسه الضيق أن يلم به . فالعقلية الإسلامية - الصحيحة - غيبية نعم ، لأنها تؤمن بالغيب ، وتؤمن بقدر الله . ولكنها في الوقت ذاته عقلية علمية أصيلة ، بدليل أنها هي التي اهتدت إلى المنهج التجريبي في البحث العلمي ، وأهدته إلى أوربا ، وهو منهج قائم كله على الملاحظة والتجربة وعلاقة السبب بالنتيجة ! ولكنها - وهي تتعامل مع سنة الله الجارية - لا تغلق قلبها عن مشيئة الله الطليقة التي لا يحدّها قيد على الإطلاق (1) .
(1) من عجائب الجاهلية المعاصرة التي تعجز أو تزعم أنها تعجز عن فهم العقيدة القضاء والقدر في وضعها الصحيح عند المسلمين ، أنها في ذاتها واقعة في تناقض بين إيمانها بفاعلية الإنسان وإيجابيته ، وإيمانها بالحتميات التي لا تجعل للإنسان وجودا حقيقيا ولا إراداة ، وهي إما أن تكون غير فاطنة إلى وجود هذا التناقض وإما أنها لا ترى مانعا من وجوده ! بينما تشير هذه الجاهلية إلى وجود التناقض في عقيدة المسلم ! والأمر في حقيقته في حس المسلم توازن مريح ، يجعله يبدع ما يبدع في الأرض وهومطمئن إلى قدر الله .