الصفحة 201 من 272

وفي الوقت ذاته يؤمن بأن عليه أن يعمل ، وأن يتخذ الأسباب ، وبأن ما يجري من المقادير في الأرض مرتبط بالأسباب التي يتخذها ( أو يدع الأخذ بها ) ، وبنوع العمل الذي يقوم به:

( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ) (1)

( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) (2)

(وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) (3) .

ومن ثم يحس بوجوده الذاتي ، ويعمل ، ويتخذ الأسباب ، دون أن يفتن بنفسه ولا بعمله ودون أن يفتن بالأسباب .

وفي الوقت ذاته يؤمن بأن كل ما يحدث له مقدر من عند الله دون أن يقعده ذلك عن الإيجابية والعمل واتخاذ الأسباب .

وحين يبدو هذا في حس بعض الناس تناقضا ، فإنه يُحدث في حس المؤمن توازنا جميلا رائعا يعينه على القيام بدور الخلافة الراشدة في الأرض ، ويجعله يعمل في الأرض وقلبه متطلع إلى الله في السماء .

إنه يتخذ الأسباب عبادة لله ، وانطلاقا مع سنة الله الجارية ، ويحس في الوقت ذاته أن النتيجة التي وصل إليها هي قدر قدره الله ، وليست حصيلة أسبابه التي اتخذها ، وأن الأسباب لا تؤدي بذاتها أداء حتميا إلى النتيجة . إنما تؤدي إلى النتيجة بقدر من الله ، ولو شاء الله ألا يوصل السبب إلى النتيجة فإن الذي ينفذ بالفعل هو إرادة الله وليس حتمية الأسباب !

وهذا هو الفارق الأصيل بين المسلم وبين نظيريه من الجاهليين من هنا ومن هناك . أحدهما يقعد عن العمل ، ولا يحس بقيمة وجوده الإنساني ، والثاني يعمل مفتونا بالأسباب ، كأنها في حسه أرباب !

(1) سورة الروم [ 41 ] .

(2) سورة الأعراف [ 96 ] .

(3) سورة الإسراء [ 16 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت