الصفحة 200 من 272

ومن الجانب الآخر وجدت - كما أشرنا من قبل - جاهليات كثيرة في التاريخ تمثل الانحراف الآخر: انحراف السلبية والانكماش والتقوقع ، انتظارا لما تصنعه"الآلهة"، وما تحدثه في حياة الأفراد والجماعات من أقدار ..

في البوذية والهندوكية والرهبانية ألوان من تلك السلبية والقعود وعدم إيمان الإنسان بنفسه على أنه قوة فاعلة في الأرض ، أو أن لعمله أثرا في الحياة ..

كلها تطلعت إلى"فناء"الإنسان .. سواء كان الفناء في"الكائن الأعظم"الذي يمثل الإله في حسهم ، أو في تناسخ الأرواح المؤدي في النهاية إلى الفناء الأكبر في ذلك الكائن الأعظم ، أو فناء الجسد بكبته وقمعه لتنطلق الروح من إساره ، أو فناء السلبية في داخل الدير .. أو أي نوع من أنواع الفناء ! ( وليس بعيدا عن ذلك مسعى الصوفية إلى"الفناء"في الذات الإلهية ليحدث من ذلك"الوجود"! ) .

والطابع الغالب على هذه الانحرافات كلها هو الأسى والكآبة والانحسار إلى داخل النفس ، بقدر ما كان الطابع الغالب على الانحراف الآخر هو المرح المجنون ، والبحث عن لذائذ الحس ، والبعد عن إصلاح النفس من الداخل ، والانطلاق إلى خارج اللذات .

بين هذين الطرفين المتناقضين تجيء عقيدة القضاء والقدر في صورتها الصحيحة في الإسلام ، تقرر هيمنة الله الشاملة على كل ما يجري في الكون وفي حياة الإنسان ، ولا تلغي في الوقت ذاته فاعلية الإنسان ، ولا تلغي العمل ، ولا تلغي اتخاذ الأسباب .

في توازن كامل يؤمن المسلم بأن كل ما يحدث في الكون وفي حياته هو قدر مقدور من عند الله من قبل أن يحدث ذلك بالفعل في الواقع البشري:

( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) (1)

(1) سورة الحديد [ 22 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت