وإلى جانب فتنته بنفسه إلى هذا الحد كانت فتنته في الوقت ذاته بالأسباب الظاهرة . فلقد قال له"العلم"إن هناك قوانين حتمية سموها في أوربا"قوانين الطبيعة"، لأنهم - وقد نبذوا إله الكنيسة - رفضوا أن ينسبوا السنن الكونية إلى الله ، ونسبوها إلى إله جديد لا كنيسة له ولا تكاليف ، سموه"الطبيعة"ونسبوا إليه الخلق والتدبير .
وما دامت القوانين في حسهم حتمية فلا مجال للقدر إذن في تصورهم ! فماذا يصنع القدر إذا كان لا يملك أن يغير ما هو حتمي الوقوع ؟! ونسوا - في غفلتهم - أن ثبات السنن الجارية في الكون هو ذاته قدر مقدر من عند الله الخالق يوم خلق سبحانه السماوات والأرض ! ونفوا من حسهم - في غفلتهم كذلك - إمكان تغيير هذه السنن بإرادة من الله حين يشاء ، فنفوا المعجزات والخوارق من جهة ، ونفوا إمكان تغير نظام الكون كله حين يشاء الله !
ثم بدا لهم حين اتسع"علمهم"- أو اتسعت غفلتهم - أن الحياة البشرية - بل النفس البشرية - تحكمها قوانين حتمية كتلك التي تحكم الكون المادي . وسرت هذه الحتمية في التفسير المادي للتاريخ (1) ، والتفسير الجثماني للمشاعر (2) ، والتفسير الجنسي للسلوك البشري (3) ، وفي كثير من النظريات الاجتماعية والاقتصادية ، وكلها تضع الإنسان تحت رحمة هذه الحتميات .... بل تحت طغيانها الجائر .
ثم أغفلوا - في عناد جاهلي - كل فترات الهدى في حياة البشرية ، التي كانت كلها بقدر من الله ، ولم تكن"حتمية"بأي تفسير من تلك التفسيرات الجاهلية التي تحاول أن تفسر الحياة والتاريخ بمعزل عن قدر الله ، كما أغفلوا - عن عمد - كل أثر لفترات الهداية تلك في حياة البشرية ، وخاصة فترة الهداية الكبرى على يد الإسلام !
(1) عند الماركسيين .
(2) عند التجريبيين .
(3) عند فرويد .