كان"الإنسان"مسحوقا في جاهلية القرون الوسطى ، المظلمة عندهم ، تحت ضغوط كثيرة متنوعة ، منها ضغط الكنيسة بطغيانها الروحي والفكري والمالي والسياسي (1) ، ومنها ضغط الإقطاع بطغيانه السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، ومنها الجهالة المتفشية ، وضحالة التصورات ، وضيق الآفاق ، وتفاهة الاهتمامات ..
ثم انفتحت أوربا على علوم المسلمين من ناحية ، واحتكت بهم في حروبها الصليبية معهم من جهة أخرى ، فتغير الحال ، وبدأ"الإنسان"هناك يحس بوجوده ، ولكن على غير استقامة الإسلام وانضباطه ، فقد أخذوا من المسلمين علومهم وأسس حضارتهم المادية ، ولكنهم رفضوا أن يأخذوا الإسلام .
ومن ثم انقلبوا من النقيض إلى النقيض دون التوقف عند نقطة الوسط الموزون .
فعلى قدر انسحاق الوجود الإنساني في جاهلية العصور الوسطى كان شعور الإنسان بذاتيته في الجاهلية المعاصرة . وعلى قدر الجهل بالأسباب عامة ، وجدت فتنة بالأسباب .
وعلى قدر تفاهة العمل ، وتفاهة آثاره في الحياة الواقعة ، وجدت فتنة بالعمل ، وفتنة بآثاره في حياة الناس .
وجاء التقدم العلمي والمادي الذي ولد مع"النهضة"، والذي استمدت أوربا أصوله من المسلمين ، فنفخ في هذه الفتنة الطامة ، وَخَيَّلَ للناس في جاهليتهم المعاصرة أن العلم هو الإله ، وهو القدر ، وهوالذي ينشئ كل شيء ويحكم كل شيء .
والأوربي الجاهلي المعاصر قد نبذ الدين بكل مضمونه وإيحاءاته ، ولم يعد لله صلة في حسه بحياته الواقعة على الأرض . إنما صار في حسه أنه هو - الإنسان - هو الذي يصوغ حياته كما يحلو له ، وهو الذي يكتب قدره بنفسه ، وهو الذي يصنع التاريخ ويصنع الأحداث (2) .
(1) راجع إن شئت فصل"الدين والكنيسة"في كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".
(2) صدر ذات يوم كتاب أوربي - باللغة الإنجليزية - عنوانه"الإنسان يصنع نفسه Man makes Himself"وكتاب آخر عنوانه الإنسان يقوم وحده Man Stands Alone أي بدون إله ! .