ومن ناحية أخرى فإن شعور الإنسان بعظمة الله وهيمنته ، وجريان الأمر كله بمشيئته ، عرضة أن ينتهي بالإنسان إلى نسيان الأسباب جملة ، ونسيان السنن الربانية الجارية التي أودعها الله في بنية الكون وفي حياة الإنسان ، تطلعا إلى تلك المشيئة التي لا يحدها حد ولا يقيدها قيد !
كما أن شعور الإنسان بانتظام السنن التي يجري بها الكون وتجري بها حياة الناس ، عرضة أن ينتهي بالإنسان إلى نسيان قدر الله جملة أو إغفاله ، والتعلق بالأسباب على أنها قوانين حتمية لا بد أن يؤدي السبب فيها حتما إلى النتيجة .
ومن ناحية ثالثة فإن شعور الإنسان بجريان الأمر كله بمشيئة الله ، عمل هو أو لم يعمل ، وأراد أم لم يرد ، عرضة أن ينتهي بالإنسان إلى ترك العمل جملة ، يأسا من أن يؤثر عمله في مجرى الأحداث ، أو ضنا بجهد لا يوصل - بذاته - إلى نتيجة !
كما أن شعور الإنسان بتأثير عمله في مجرى الأحداث ، وبأن الأحداث مترتبة على مقدار ما يعمل ونوع ما يعمل ، عرضة أن ينتهي بالإنسان إلى الفتنة بعمله ، والظن بأنه هو الذي يصنع قدره بنفسه ، ويتحكم فيه كما يشاء !
وإذا كانت الهندوكية والرهبانية نموذجا للنوع الأول من الانحراف: السلبية ، ونسيان الأسباب جملة ، والزهد في العمل والإنتاج ، فإن الجاهلية المعاصرة عنوان حاد على النوع الثاني من الانحراف: شعور الإنسان المضخم بذاتيته ، وفتنته بالأسباب . وفتنته بعمله ، وتوهمه أنه يصنع قدره بنفسه .
لقد بدأت أوربا"نهضتها"على عداء مع الكنيسة والدين . أي أنها في الحقيقة خرجت من جاهلية المسيحية الكنسية المحرفة إلى الجاهلية المعاصرة التي وصلت ذروتها في القرن الأخير .