ثم يجيء طور على"المسلمين المعاصرين"ينسلخون فيه من عقيدة القضاء والقدر كما انسلخ سادتهم الأوربيون من قبل ، ويقولون: نريد أن نترك العقلية الغيبية التي كانت سبب تأخرنا ، وتكون لنا عقلية علمية تقدمية ! إن القضاء والقدر لا وجود له إلا حيث توجد الفوضى والجهل والانحطاط والتأخر . أما حيث يوجد النظام والعلم والتقدم والتخطيط العلمي والعقول الإلكترونية فأنّى للقدر أن يتدخل ، وكل شيء محسوب له ألف حساب ؟!
ويَغْفُلُ هؤلاء عن معنى قوله تعالى: ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) (1) .
بل يَغْفُلُون عما هو أقرب إلى المشاهدة الحسية من ذلك الغيب الذي يوشك أن يتحقق . يغفلون عن الأمراض التي تفاجئ أولئك الحاسبين المخططين الذين يحسبون أنهم أغلقوا بحساباتهم كل فرصة لقدر الله أن ينفذ إلى واقع الأمور ! أمراض من كل نوع: نفسية وعصبية وعقلية وجثمانية وأخلاقية واجتماعية وفكرية وسياسية واقتصادية .. كلها لم تكن في الحسبان !
وهل كانت أمراض الحساسية في الحسبان ؟
وهل كان مرض انعدام المناعة ( الإيدز ) في الحسبان ؟
وهل كان جنوح الأحداث الإجرامي في الحسبان ؟
وهل كان انتشار الشذوذ والمخدرات في غرب أوربا وأمريكا في الحسبان ؟
وكل هذه - وغيرها - بوادر لغيب يوشك أن يتحقق بقدر من الله: ( حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (2)
(1) سورة الأنعام [ 44 ] .
(2) سورة الأنعام [ 44 - 45 ] .