الصفحة 177 من 272

إنه خلوص وتجرد إلى الله .. تجرد من كل ما تتعلق به النفس في الحياة الدنيا من أهل ومسكن وموطن ومتاع .. حتى الملبس الذي تعود الإنسان أن"يتزين"به ويتأنق بخياطته على قده ..

تجرد من ذلك كله إلى الله .. وحده .. تلبية وذكرا وتوجها وصلاة ونسكا وعبادة ..

وفي حشر يذكّر بيوم الحشر ..

وفي شيء من الجهد والمشقة ، ولكن في غير المعتاد من"الكدح"الذي ينفق فيه معتاد حياته .. في كدح من نوع آخر ، يشد النفس إلى اليوم الآخر بقدر ما ينتزعها من متاع الأرض ..

"أياما معدودات".. ولكنها في حساب النفس حدث هائل عميق .. تغيير كامل شامل يتوغل في النفس حتى أعماقها ويلقي عنها خبثها كله .. لتعود كأنما هي خلق آخر .. ولد اللحظة ، ليبدأ رحلة حياة جديدة غير التي كانت من قبل ..

ومن هنا كان الحج يؤدي مقتضاه في حياة المسلم ، مصداقا لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:"من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق ، رجع كما ولدته أمه" (1)

كل هذا تغيّر تغيرا عنيفا حين تغيّر مفهوم العبادة ..

فحين غفل الناس عن"مقتضيات"العبادة ، من التوجه المخلص لله ، والإخبات له والخشوع في حضرته سبحانه ، وحين انقطعت العبادة عن لوازمها المتعلقة بها ، ونتائجها التي ينبغي أن تترتب عليها ..

حين انحسرت مساحتها في نفوس الذين يؤدونها ..

حين صار المطلوب كله هو أداء الشعيرة ، وانحصرت"العبادة"كلها في هذا الأمر ، كان حريا بهذا اللون من العبادة أن ينحسر أكثر فأكثر ، حتى يصبح المطلوب هو أداء الشعيرة بأي صورة كانت .. ولو كان أداء آليا بغير روح ، أو أداء تقليديا يحركه الحرص على التقاليد أكثر مما يحركه الدافع إلى عبادة الله ..

وتلك هي الصورة التي انتهت إليها العبادة في الجيل الذي شهد الانهيار ..

(1) سبق ذكره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت