والتطهر الذي تشير إليه الآية الكريمة: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ) (1) ليس هو التطهر من الشح وحده ، وهو المعنى القريب الذي يتبادر إلى الذهن حين تذكر زكاة المال . ولكنه تطهير السعي كله في مناكب الأرض من أن يدخله الحرام أو يُتَوَجَّه فيه بالحرام .
والإنسان الصالح الذي يهدف الإسلام إلى تنشئته ليقوم بدور الخلافة في الأرض ، لا بد أن يستعلي على شهوة المال من ناحية ، ولا بد أن يشعر برابطة الأخوة بينه وبين المؤمنين من ناحية أخرى . أخوة توجب عليه كفالة العاجزين منهم وإعانتهم على توفير الحياة الكريمة التي يكفلها الإسلام لجميع الناس .
وحين يتحرى الإنسان الطيب الحلال وهو يسعى إلى الرزق ، ويتحرى هذه الأخوة بينه وبين المؤمنين فلا شك تسمو نفسه وترتفع فتزكو كما يريدها الله: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ) (2)
والسعي وراء الرزق من أكبر المزالق التي يتعرض لها الإنسان ، لأن هناك شهوات محببة إلى النفوس:
( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .. ) (3)
والنفوس عرضة للاستغراق في تلك الشهوات ما لم تلتزم بالطيب الحلال من ناحية ، وما لم تنشغل من ناحية أخرى بالقيم العليا التي تستوعب مشاعر النفس وترتفع بها عن المتاع الحسّي الغليظ:
(1) سورة التوبة [ 103 ] .
(2) سورة الشمس [ 9 ] .
(3) سورة آل عمران [ 14 ] .