ثم إن الصيام تجنيد للنفس وتدريب على الاستعلاء على الشهوات ، ينمي في القلوب تقواها وإخباتها إلى الله .
إن التقوى لا تكون مع غلبة الشهوات .. إنما تكون مع الانضباط الذي يلزم النفس بالحدود التي حددها الله ، وقال عنها: ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا ) (1) أو ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ) (2)
والانضباط يحتاج إلى تدريب لكي يصبح عادة ، حتى تستسلم شهوات النفس والجسد لإرادة الإنسان ، ويصبح قيادها في ديه ، يطلقها - بقدر - حين يشاء ، ويحبسها - بقدر - حين يشاء .
والصيام هو ذلك التدريب ! وهو يتناول من الجسد والنفس أقوى دفعاتها: الطعام والشراب والجنس . ومن ثم فهو تدريب معين على التقوى:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (3)
وكانت الزكاة في حسهم - كما ينبغي أن تكون - زكاة للنفس والمال معًا ، وطهرا للحياة كلها حِسِّيِّهَا ومعنوِيّها سواء .
لم تكن"ضريبة"تؤدى للدولة .. ولكنها قربة تقدم إلى الله .
وفرق كبير بين أن تكون ضريبة مالية أو عينية ، تمتزج في حس دافعيها بسطوة الدولة وقهرها ، وبين أن يشعر من يؤديها بأنه يتطهر بأدائها .. يغسل أدرانه ، ثم يبدأ صفحة جديدة من الكدح خالية مما يشوب بياضها . فيمشي في مناكب الأرض ليأكل من رزق الله ، متطلعا لرضوان الله يوم يلقاه:
( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (4)
(1) سورة البقرة [ 187 ] .
(2) سورة البقرة [ 229 ] .
(3) سورة البقرة [ 183 ] .
(4) سورة الملك [ 15 ] .