لقد كانت الصلاة في حسهم - كما ينبغي أن تكون - وقوفا بين يدي الله ، وخشوعا وإخباتا يناسب ذلك الموقف بين يدي الله . كان الله حاضرا في قلوبهم - وكان هذا الحضور يحكم الموقف كله . فالله قريب منهم مطّلع عليهم . يراهم وهم يتهيأون للصلاة ، ويراهم وهم يؤدونها ، وهم يتلون القرآن ، وهم يركعون ويسجدون ويقومون . ويحسون في كل لحظة أنه قريب منهم ، يرقب حركاتهم وسكناتهم ، ويطلع على خفقات قلوبهم ، ويتقبل إخباتهم ، ويستجيب دعاءهم .. فيكون لهذا كله أثره في نفوسهم ، فتؤدي الصلاة - من ثم - وظيفتها في حياتهم . تزيدهم قربا من الله . وتنهاهم عن الفحشاء والمنكر . وتزيدهم رغبة في طاعة الله ورسوله ، لأنهم بهذه الطاعة ينالون رضوان الله في الحياة الدنيا وفي يوم الموقف العظيم ..
وكان الصيام في حسهم - كما ينبغي أن يكون - مهرجانا هائلا للعبادة ، والتقرب إلى الله بالطاعات ..
لم يكن مجرد جوع في النهار وشبع في الليل !
كان موسما يستعدون له نفسيا وروحيا كمن يتهيأ لدخول حرم قدسي ، يهيئ نفسه إليه بالخشوع والإخبات قبل أن تخطو إليه قدماه ، ومن ثم تتأثر نفسه بكل خطوة يخطوها في محيطة ، كأنما يتلقى منه إشعاعات تنفذ منه إلى الأعماق ..
كان عبادة شاملة تطهر النفس من أدران كثيرة تترسب في النفس في معتاد حياة الإنسان ، فيخرج عنها حين يغير نظام حياته ، ويدخل في نظام جديد للحياة ..
فكما أن تغيير نظام الطعام يعيد النشاط إلى خلايا الجسم فيجدد حيويتها ، فكذلك التغيير النفسي الذي يحدث في الصوم ، يجدد حياة الروح ، فتنطلق شفيفة رفافة إلى آفاق لم تكن ترتادها من قبل ، أو كانت ترتادها فهجرتها تحت وطأة المشاغل اليومية التي تتعامل مع عالم الحس أكثر مما تتعامل مع عالم الروح ، فيعيد ذلك الشهر المبارك إلى النفس طاقتها الروحية الشفيفة ، فيتجدد بناء الإنسان ، وتتوازن في نفسه المشاعر ، وتتوازن الرغبات ..