الصفحة 171 من 272

والقول بأن الله افترضها ليتعبد بها عباده فحسب ، ولينظر من يطيعه بالغيب ومن يعصيه ، وأنه ليس من الضروري أن تكون هناك حكمة معلومة للبشر من وراء افتراضها ، لأن حكمتها عند الله ..

هذا القول لا يوفي العبادات قدرها ، ولا يغطي كل مجالها ، مع أنه صحيح في ذاته ..

فما دام الله - سبحانه وتعالى - قد بين الحكمة - أو بعض الحكمة - من افتراض هذه العبادات ، فليس لنا نحن أن نلغي ما نص الله ورسوله عليه من الحكمة ، ونقول: إن العبادات مفروضة لذاتها ، ولا شيء مطلوب وراءها !

مقصودة بذاتها نعم ، ولكن لا لذاتها فحسب ، وإنما لذاتها ولما وراءها من المقتضيات .. فإذا قمنا بها لذاتها فحسب وأغفلنا مقتضياتها المنصوص عليها فهل نكون قد أدينا العبادة التي فرضها الله ؟!

تلك هي القضية التي غفلت عنها الأجيال المتأخرة حين حصرت العبادة في الشعائر ، ثم حصرت الشعائر في مجرد الأداء ..

وصحيح أن الناس استنكروا ما حدث من تنائج هذا الانحسار ، حين رأوا قوما يؤدون الشعائر ثم لا يعملون بمقتضاها بل يعملون بعكس مقتضاها ، فيصلون ولا تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر ، ويصومون ولا يؤدي بهم الصوم إلى التقوى ، ويزكون وأموالهم حرام أو مختلطة بالحرام ، ويحجون فلا يزودهم الحج بالتقوى والإخبات إلى الله ، ولا يمنعهم عن شهادة الزور !

استنكروا لأن النفس تستنكر ذلك بفطرتها ..

ولكنه استنكار قاصر لا يصل إلى تغيير ذلك المنكر الضخم ، لأنه قد وقر حتى في حس المنكرين أنفسهم أن أولئك قد أدوا العبادة على أي حال !!

كلا ! لم يؤدوا العبادة ! لقد قاموا بالشعيرة نعم ! ولكنْ فرق شاسع بين أداء الشعيرة وأداء العبادة !

إنه لا توجد عبادة واحدة في الإسلام يقتصر المطلوب فيها على أدائها - مجرد الأداء - فحسب ..

إنما الأصح - كما بينا من قبل - أن نقول: إن العبادة تبدأ بالأداء ، ولا تتم إلا بوقوع المقتضى المطلوب من أدائها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت