وقد ترفض الجماهير أن تترك مألوف عبادتها من الآلهة المتعددة ، لأن الجماهير - في جاهليتها - تكون أكثر التصاقا بعالم الحس . وهذه الآلهة المحسوسة القريبة تلبي انحرافاتها الجاهلية ، وتجعلها تحس كلما رأتها أو لمستها أو قدمت لها القرابين أو شعائر التعبد ، أنها قريبة من آلهتها قربا ماديا محسوسا !
وأما الملأ - وهم أكثر تنورا وأكثر استعلاء عن الجماهير - فإن الذي يحركهم لمحاربة الرسول المبعوث إليهم ليس قضية الآلهة المزعومة بقدر ما هو قضية"السلطة"!
إن ولاءهم لهذه الآلهة صوري أكثر مما هو حقيقي ! وإن دفاعهم عنها - مهما بدا حارا - لا ينبعث من الاعتقاد بألوهيتها بقدر ما ينبعث من كونها هي الأداة التي يستعبدون باسمها الجماهير ، ويعطون أنفسهم سلطانا مقدسا مستمدا من قداستها في نفوس الجماهير !
أما القضية الحقيقية بالنسبة إليهم فهي قضية الحاكمية: من يحكم هذه الجماهير ؟ هم ؟ أم الله - سبحانه وتعالى - عن طريق تحكيم شريعته ؟
هذه هي القضية الحقيقية التي تستفز الملأ في كل جاهلية ليحاربوا دعوة لا إله إلا الله .
إن السلطة التي في أيديهم ، سلطة التشريع التي يحكمون بها الجماهير - ويستذلونهم بها - ليست سلطتهم أصلا ، إنما هي حق الخالق الرازق المنعم المتفضل ، الذي خلق ، ثم رزق وأنعم وتفضل ، فكان من حقه وحده أن يحل ويحرم ، وأن يبيح ويمنع ، وليس لأحد غيره أن يشرع - أي يحل ويحرم - إلا أن يكون خالقا مثل الله ، رازقا مثل الله ، منعما متفضلا مثل الله . والله ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (1) .
( أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُون ) (2) .
( هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) (3) .
(1) سورة الشورى [ 11 ] .
(2) سورة النحل [ 17 ] .
(3) سورة فاطر [ 3 ] .